عيـن.. حــا..
لايمكن أن يقال إن العالم النفسي الفرنسي بينيه هو مبتكر اختبارات الذكاء, فهذا القول عدوان واضح على الحقوق الأدبية لستي الحاجة التي ابتكرت الفوازير كأول شكل لاختبارات الذكاء, وكان ذلك منذ زمن قديم يعود إلى عصور استعمال السيف, والدليل على ذلك فزورة ستي عن السيف: ايش برق برق واستخبى في الورق؟
ودون تحيز لستي الحاجة, يقتضي الحق أن تقول: إن هذه الفوازير لم تعد ملائمة لاختبار ذكاء الإنسان العصري. فإن هذا الإنسان أصبح يدوخ بين المكاتب لتخليص أوراقه, كما أصبح يعرف أقرب الطرق لتجنب هذه الدوخة, فإذا سألته اليوم ايش برق برق واستخبى في الورق قال لك: اللحلوح.
كذلك لم تكن ستي تعني راكب الطائرة في فزورتها ايش عدّى البحر ولا اتبلش بل كانت تعني العجل في بطن أمه, كما أن فزورة ايش يتأخر بالسنة وييجي بالعنا لم يعد المقصود بها القرش الذي في ذمة الحكومة لك, بل اصبح المقصود بها حرارة التليفون.
*******
المعقول واللا معقول!
وإذا نظرنا الى اختبارات الذكاء التي وضعها العالم الفرنسي, وجدناها هي الأخرى لاتلائم العصر, فمن بين هذه الاختبارات أن تعرض على من تختبره مجموعة صور بينها صورة غير معقولة لايتنبه الى عدم معقوليتها إلا الإنسان الذكي, وهذه الصورة عبارة عن شخص يجلس ضاحكا سعيدا والحريق يشب من حوله, فمثل هذه الصورة لو نظر إليها الإنسان العصري الذكي فلن تشد انتباهه لأنها صورة معقولة جدا, ذلك أن الشخص الضاحك السعيد في الصورة والنار من حوله هو الموظف الذي أحرق المخزن قبل الجرد.
لهذا اصبح من المحتم ايجاد صورة اخرى ملائمة للعصر, يكتشف الانسان الذكي عدم معقوليتها بمجرد النظر اليها, كصورة شارع نظيف في القاهرة, أو صورة متحدث تليفزيوني لايهش ذبابة ماسبيرو, أو صورة رجل تبدو عليه السعادة وهو يشاهد التليفزيون.
*******
ع. حا. ع. حا!
ولقد أصبح من المحتم تطوير كل اختبارات الذكاء على أسس عصرية, كما أصبح من الضروري اشتراط النجاح في هذه الاختبارات للمتقدمين الى وظائف الحكومة حتى نضمن للجهاز الحكومي أجيالا قادمة من الموظفين الأذكياء يسيرون على منوال الأجيال السالفة الذكية من الموظفين الذين وضعوا اللوائح الحكومية بفطنة وصاغوا لنا صيغ الاستمارات الحكومية والمكاتبات الرسمية بذكاء, واستهدفوا في هذا كله الدقة والحرص على أموال الدولة, وما الذكاء غير حرص ودقة.
خذ مثلا هذه الاستمارة الحكومية 171ع.ح الخاصة بجرد الخزائن الحكومية والمستعملة من سنة 1861 الى يومنا هذا فهذه الاستمارة فيها خانات لأنواع النقود المجرودة تتضمن العملات التالية: جنيه انجليزي ذهب ـ جنيه مجيدي ذهب ـ جنيه انجليزي معجز (مكتوبة كده في الاستمارة) ـ البنتو.
هذه الاستمارة التي يجري العمل بها حتى الربع الأخير من القرن العشرين كان لها تأثير واضح في حياة قريب لي اسمه عبدالعزيز, اذ التحق بالحكومة سنة 70 ثم صار أمينا لخزانة سنة 74, فجاء الاستاذ مراد رئيسه الموظف القديم الذي يمارس عمله الحكومي بكل دقة وحرص وفطنة وذكاء, وطلب ان يجرد معه محتويات الخزانة على بيانات الاستمارة 171 ع.ح, فنظر رئيسه الى الاستمارة قائلا:
ـ بص في الخزانة ياعبدالعزيز وشوف عندك كام جنيه مجيدي.
ولما لم يكن لدى عبدالعزيز أي فكرة عن هذه الاستمارة فقد سأل رئيسه عن معني كلمة جنيه مجيدي فقال له الاستاذ مراد إنه جنيه السلطان عبدالمجيد سلطان تركيا المعاصر لحكم محمد على باشا وان هذا الجنيه لاوجود له الآن حتى في تركيا نفسها ولكن محتمل جدا أن يكون موجودا عنده في الخزانة.
والظاهر أن هذا الشاب المستهتر عبدالعزيز اعتبرها نكتة فثار الاستاذ مراد منددا بموقفه الوظيفي الشائن, وأفهمه أن الحكومة لاتطبع مثل هذه الاستمارات عبثا وعليه أن يطبق تعليمات الاستمارة, وانتهى الأمر بأن راح الاستاذ مراد يفتش في الخزانة بنفسه عن الجنيهات المجيدية والجنيهات الانجليزية الذهب والمعجزة والبنتو, ثم أحال عبدالعزيز للتحقيق.
ولقد اوضح عبدالعزيز في التحقيق ان الجنيه الانجليزي المعجز لا وجود له إلا في انتكخانة لندن بعد أن مات متأثرا بالشيخوخة من أيام شكسبير وأن البنتو عملة فرنسية بعشرين فرنكا ذهبيا كانت متداولة ايام الدولة العثمانية وغير معقول ان يكون في خزانته بنتوولا ولدو, واسفر التحقيق عن ادانة عبد العزيز لتهاونه واهماله في تطبيق التعليمات الواردة بالاستمارة الحكومية 171 ع. ح.
ولقد افاد هذا الدرس عبدالعزيز, فكان كلما جاء الاستاذ مراد بالاستمارة 171 ع.ح وقف عبد العزيز امام الخزانة باهتمام شديد ويمد رأسه بداخلها ثم يحركه يمينا ويسارا فيسأله الاستاذ مراد: في حاجة؟ فيرد عبد العزيز: اتخايلت ببنتو قدامي.. مش عارف.. يابنتو يا جنيه مجيدي الله اعلم.
ـ طيب دور كويس..
لم يشترك الاستاذ مراد في البحث معه ويهمهم اثناء بحثه قائلا:
انا بقالي 35 سنة موظف عمري ماشفت بنتو .. شفته فيه ده؟ ويقلب الاستاذ مراد ويفتش ويطمئن الى ان الخزانة ليس فيها بنتو ولا جنيه مجيدي.. وهنا يتم تقفيل خانات الاستمارة عن الجنيه المجيدي والانجليزي الذهب والانجليزي الذهب المعجز والبنتو!
*******
الساعة كام من فضلك؟
ولقد افاد الاستاذ مراد عبدالعزيز كثيرا في تقويم شخصيته وتفكيره, اذ حدث مثلا أن لمح الاستاذ مراد على مكتب عبد العزيز خطابا اعده ليرسله الى احد الموظفين يطلب منه الحضور في الساعة الثامنة صباحا يوم 14 يونيو سنة 84, فسأله: ازاي مش كاتب له الميعاد بالضبط؟ لازم تكتب له الساعة 8 افرنكي يا افندي لأن فيه توقيت عربي وتوقيت افرنكي, والساعة 8 بالتوقيت العربي معناها 8 ساعات بعد الغروب يعني 3 الفجر, كويس لو جالك مواطن الساعة 3 بعد نص الليل على اعتبار انه فاهم ان احنا ماشيين بالتوقيت العربي اللي كان ماشي زمان؟ طبعا راح ييجي يلاقي المصلحة قافلة ويتعطل تحصيل حقوق الحكومة؟
ولقد وعى عبد العزيز ذلك الدرس جيدا حتي انه كان يقول لخطيبته: نتقابل على باب السينما الساعة 6 افرنكي ..افرنكي موش عربي خدي بالك يا روحي .. واذا سأله احد عن الساعة قال: الساعة 11 وربع افرنكي.
*******
الرجل المسئول!
وشيئا فشيئا اكتسب عبدالعزيز لمسة الذكاء فاصبح شديد الدقة في كل تصرفاته بعد ان انطبع بطابع الحرص البالغ في تنفيذ حرفية التعليمات واللوائح, اذ حدث ان سافر في سيارة احد اصدقائه الى الاسكندرية, وقبل مغادرة القاهرة مر بعيادة الطبيب الذي يعالجه من الكبد, ثم خرجت السيارة الى الطريق الزراعي متجهة الى الاسكندرية, وقبل ان تصل السيارة الى مشارف دمنهور, ضرب عبد العزيز جبهته بيده كما لو كان نسي شيئا خطيرا, فقال له صديقه: خير؟
ـ لازم ارجع طنطا
ـ ليه؟
ـ لازم ارجع طنطا
وحاول صديقه ان يعرف السبب ففشل, ولما قرر ان يواصل السير الى الاسكندرية طلب منه عبد العزيز ان ينزل ويستقل تاكسي يعود به الى طنطا, واصر على ذلك بشكل قاطع, فاستدار الصديق عائدا في اتجاه طنطا محاولا ان يعرف السبب بينما عبدالعزيز يرفض ان يبوح بالسبب حتي لو انطبقت السماء على الأرض لأن صديقه مستهتر ولن يقدر المسئولية, فسلم صديقه امره لله, وما ان وصلت السيارة الى طنطا حتى قال عبد العزيز دون ان يهبط من السيارة: ياللا بقى على اسكندرية.
ـ على فين؟؟
ـ على اسكندرية .
ـ ممكن افهم رجعتني ليه المشوار ده كله لحد طنطا؟
ـ اصل انا لما فت على الدكتور قاللي آخذ الحباية التانية في طنطا..
وانا بلعتها خلاص!
ولقد لعن صديقه سنسفيل جدوده بلا ادنى تقدير لدقة عبد العزيز في تنفيذ التعليمات الصادرة اليه, فنظر اليه عبد العزيز باستخفاف: انا كنت واثق انك انسان لا تقدر المسئولية
*******
سين وجيم
ولاشك ان خسارة كبيرة للجهاز الحكومي أن يقضي عبد العزيز وامثاله من موظفي الحكومة الجدد السنوات الوظيفية الاولي وهم في عجز عن مسايرة ذكاء اللوائح التي تتحكم في مجتمع بأسره, بل ويجنحون الى التمرد عليها في غباوة غريبة, الى ان يمضي وقت طويل حتي يتمرسوا بالذكاء .
أليس اجدى من هذا كله ان تشترط الحكومة النجاح اولا في اختبارات الذكاء لمن يريد الالتحاق بخدمتها؟؟
غير ان المشكلة ـ كما سبق القول ـ ان اختبارات الذكاء قد اصبحت حقا غير عصرية, ولابد ان يضع كبار علمائنا في العلوم النفسية اختبارات عصرية جديدة مثل :
سؤال: لماذا لا تستحم طائفة السيخ في الهند؟
جواب: لأن كل افراد الطائفة يسكنون الادوار العليا حيث لا ماء .
سؤال: شوارع فنص وطيبة واخيتاتون في مصر الفرعونية لم يكن لها ارصفة لماذا؟
جواب: لم تكن هناك بضائع مهربة من بورسعيد تحتاج الى ارصفة لعرضها.
سؤال: هل يمكن ان تتصور وزيرا لم يبنوا له كابينة في المنتزه؟
جواب: نعم, الوزير امحوتب.
سؤال: هل هي شهامة وطيبة ان يحقق رجل مكاسب مادية طائلة للآخرين دون ان يقبض مرتبا على ذلك؟
جواب: كلا, لأنه يقبض عمولة.
سؤال: متى يقف افنديان محترمان مهذبان يتشاتمان؟
جواب: اذا كان احدهما يمينيا والآخر يساريا.
سؤال: ما هي اقرب مسافة بين نقطتين؟
جواب: الكوسة .
سؤال: لماذا لا يعمل اوتوبيس ارياف على أي طريق صحراوي؟
جواب: لأنه لابد من شق ترعة موازية للطريق ليقع فيها الاتوبيس.
*******
-أحمـد رجـب-
من العقرررب الاسووود






تعليق