محاولة إحراق سيّدنا إبراهيم عليه السلام
كان أهلُ بابل يتنعّمونَ بعيش ٍٍ رغيدٍ و نِعمٍ كثيرةٍ أنعمَ الله بها عليهم, و لكنهم مع ذلك نسوا فضل الله عليهم و اتبعوا الشيطان و عبدوا الأصنام التي كانوا ينحتونها بأيديهم و هي التي لا تضر و لا تنفع و لا تخلق ضررًا و لا نفعاً .
كان ملكهم النمرود قد طغى و ضل , حتى ادعى الإلوهية و أمر قومه بعبادته من دون الله عز و جل.
في هذه البيئة المنحرفة و لد سيدنا إبراهيم عليه السلام و كان منذ نعومة أظفاره قد ألهم الإيمان بالله تعالى و أن الله لا يشبهه شيئاً من مخلوقاته و أنه خالق هذا العالم بأسره .
فلما أوحيّ إليه برسالة الإسلام دعا قومه لعبادة الله وحده, و أمرهم بأن يترك الأصنام التي كانوا يتفننون بنحتها و تزيينها, و يذبحون لها الذبائح على زعمهم تقربًا إليها, فلم يطعه الكثيرون بل ازداد تكبرهم و تجبرهم و على رأسهم ملكهم النمرود.
و لما رأى إبراهيم عليه السلام أنهم ما زالوا متعلقين بعبادة الأصنام و أنهم لم يتقبلوا الأدلة و البراهين الواضحة الجلية التي جاء بها, قرر أن يفعل بأصنامهم فعلا ً يقيم الحجة عليهم لعلهم يفيقون من غفلتهم العميقة.
و كان من عادة قومه أن يقيموا لهم عيدًا, فلما حل عليهم عيدهم خرجوا خارج المدينة في البساتين و الحدائق.
فدخل إبراهيم عليه السلام لبيت الأصنام الذي كان قومه يعبدونها فيه , فإذا في صدر البيت صنمٌ كبيرٌ و على يمينه و يساره أصنامٌ صغيرةٌ , فأمسك بيده اليمنى فأساً و أخذ يهوي به على الأصنام و يكسرها و يحطمها , ثم علق الفأس في عنق الصنم الكبير , حتى إذا رجع قومه يظهر لهم أن هذه الأصنام لم تستطع أن تدفع عن نفسها ضرًا فكيف تعبد من دون الله القوي القهار.
عاد قومه فعرفوا أنه هو من حطم أصنامهم, لكنهم لشدة جهلهم و كفرهم لم يفهموا ما قصد إليه إبراهيم عليه السلام فاغتاظوا و أرادوا أن ينتقموا منه, فاختاروا نوعاً من أشد أنواع العذاب و هو الإحراق بالنار.
صار الكفار يجمعون الحطب من جميع ما يمكنهم من الأماكن, و أتوا بهذا الحطب الكثير و رموه في حفرة عظيمة و أضرموا فيها النار فاضطرمت و تأججت و التهبت و علا لها شررٌ عظيمٌ و صوتٌ مخيفٌ لم يٌرى و لم يسمع بمثله.
و كان من شدة اشتعالها أنها تحرق الطائر الذي يمر من فوقها , و كان الكفار لا يستطيعون لقوة اللهب أن يتقدموا من النار فكيف سيرمون إليها ابراهيم عليه السلام؟
أتى إبليس اللعين متشكلا ً و علمهم صنع المنجنيق الذي لم يكن يُعرف من قبل, و قيل إن رجلاً منهم اسمُه ((هِيزَن )) كان أول من صنعه فخسف الله به الأرضَ, ثم أخذ قوم ابراهيم عليه السلام يقيدونه و يكتفونه و هو يقول: (( لا إله إلا أنت سبحانك, لك الحمد و لك الملك لا شريك لك )), فلما ألقي في النار قال بلسان المتوكل على الله ((حسبنا الله ونعم الوكيل)).
و أعطى الله نبيه الكريم معجزةً باهرة فلم تُحرقه النار و لم تصبه بأذى و لا حتى ثيابه , و إنما أحرقت وثاقه الذي ربطوه به , قال الله تعالى :{قلنا يا نار كوني برداً و سلاماً على إبراهيم }69 .
و كان الناس يقفون على مسافة بعيدة , ينظرون هذا المنظر الهائل المخيف .
مكثَ النمرود أياماً لا يشك أن النار قد أكلت إبراهيم عليه السلام , فرأى إبراهيم جالساً و إلى جنبه رجلٌ مثله , قال لقومه لقد رأيت كأن إبراهيم حيٌ , و لقد شُبه عليَّ, ابنوا لي منصة عالية لأرى ما الأمر , فبنوا له منصة و أشرف منها فرأى إبراهيم عليه السلام جالساً و إلى جنبه رجلٌ في صورته , فنادى النمرود سائلا ً إبراهيم عليه السلام :((هل تستطيع الخروج ؟)) .
فأجابه :(( نعم )), ثم سأله : (( أتخشى إن أقمت فيها أن تضرك ؟)).
قال : (( لا )).
ومع كل هذه العجائب فإن النمرود و قومه ظلوا على كفرهم و عنادهم و لم يؤمن إلا القليل و لكنهم أخفوا إسلامهم من ملكهم الكافر الذي سيلقى جزاءه العادل يوم القيامة .




تعليق