




فضيحة اخرى تهتز لها الأبدان والعقول , تمر في صباح العراق , دونما ضجيج , بالرغم من انها توجع قلوب ابشع الجبابرة والسفاحين . وعلى ما يبدو ؛ فأن شيئا من الألفة قد نسجت خيوطها فاضحت الجريمة حدثا عابرا , لا يستحق حتى التعليق : فنقلا عن شبكة عالمية ؛ نقلت عنها وكالة الأخبار العراقية – واع – عن ابشع جريمة بحق الأطفال العراقيين . وكان بالأمكان ان يمر الحدث من دون اكتراث ؛ لولا انه موثق بمجموعة صور لمشاهد اطفال هذه الفضيحة الوقحة والمليئة بالخسة والنذالة . صور الأطفال " الأحياء ! " مرمية على الأرض لا تقوى على الحراك والنهوض , بعدما تركهم موظفوا المبنى الحكومي لرعاية الأطفال اليتامى وذوي الحاجات الخاصة ؛ من دون غذاء لفترة تجاوزت الشهر . اطفال عراة , ثبت تعرض بعضهم للأعتداءات الجنسية الوضيعة . ويشير التقرير الى ان بعضهم وقت اكتشاف الجريمة ؛ كانوا موثوقي الأيادي . ومثل ملجأ الجادرية ؛ فان الغزاة ومرافقيهم من الخونة ؛ قد اكتشفوا معالم الجريمة بمحض الصدفة , كما يبدو كذلك بأن المشهد – العار الذي اكتشفوه ؛ قد نزل عليهم نزول الصاعقة , واذا تعين علينا ان " نصدقهم !" فليس لسبب آخر سوى خشيتهم من ان تابعيهم بدأوا يحسنون ذات الصنعة مما قد يهدد مصادر ارزاقهم . . . وكالعادة فتحت وزارة الصحة ؛ تحقيقا في القضية , وستجد طريقها الى رفوف النسيان . ولكن هل ننسى ؟ واذا كان من المستحيل نسيان مشاهد اولئك الأطفال . واكاد القول من المستحيل ان يمر الليل من دون كوابيس ؛ عندما ترى كومة اطفال بعمر الزهور وهم مرمين كأية اشياء فارغة في الطرقات. كيف ننسى من دون تأشير اصابع الأتهام الى سكنة المنطقة الخضراء وقد ارسلوا ابنائهم او ابقوهم على وجه الدقة , حيثما هم : منتجعات اوروبا والأرصدة والحمايات ومباهج الدنيا . ما الذي يعنيه الأنخراط بالعمل السياسي والثرثرة البائسة عن الدمقراطية وحقوق الأنسان ؛ عندما يتم التعامل مع اليتامى بهذه الطريقة البشعة والقذرة ؟ ولكن هل كان ينبغي ان نشهد فضيحة اضافية اخرى ؛ حتى تكتمل ملفات ادانة ابطال المذابح والفساد ونهب المال العام وانتهاك اعراض وحقوق الأنسان ؟ الا يكفي انقطاع الكهرباء بكل ما يترتب عليه من نتائج على البلاد والعباد ؟ الا تكفي هذه الهجرات الجماعية وطوابير الأنتظار على الحدود لعوائل لا تعرف من شيء عن مصائرهم القادمة ؛ سوى الأبتعاد عن جهنم ؟ الا يكفي منظر تهديم المدن والأحياء , المساجد والحسينيات والكنائس ؟ الا يكفي ان نرى " ممثلي الشعب " في البرلمان منهمكين بزيادة مرتباتهم وامتيازاتهم وحماياتهم , فيما يتضور ابناء العراق من جوع لا يرحم ؟ الا يكفي تحطيم القاعدة الثقافية والتعليمية ؛ عندما تتحول المدارس والجامعات والمسارح للردح والنحيب والتعذيب ؟ الا يكفي ان تتم مواجهة عمال نفط البصرة الشرفاء بالوعيد والتهديد ؛ لأنهم لامسوا باضرابهم اخطر الملفات على مصير ومستقبل العراق ؟ هل هو جزءا من الخيال ؛ ان نسمع من وزير العمل والشؤون الأجتماعية المعني بهذه الفضيحة ؛ وهو يدين احدى القنوات الفضائية لتكريس جزءا من برامجها للتضامن مع الضحايا وبدعوى : ان المكان ليس ملجأ للأيتام ؛ بل مأوى لأطفال معوقين ؛ رمتهم عوائلهم الى الطرقات ولا ندري لماذا ايها الوزير ؟ واخيرا هل يتحمل موظفي دار الأيتام من ذوي الحاجات الخاصة ( الذين تم القبض عليهم او اولئك الذين هربوا ! ) المسؤولية لوحدهم ؟ الا ينبغي اولا ادانة " رب البيت الذي سبقهم بالنقر على الدفوف " ؟
ليس الطفل سنيا او شيعيا , عربيا او كرديا , مسلما او مسيحيا , كما انه ليس يساريا او يمينيا ؛ ولن يكون كذلك الا عند المرضى من البالغين الذين غشيت ابصارهم وعمت قلوبهم . والمجتمعات التي تتقدم بثقة وثبات تولي عالم الطفولة بالرعاية , ليس على سبيل الوفاء للعواطف الأنسانية العفوية والطبيعية – وهو صحيح - ولكن لأن المستقبل لن يكون رحبا وواعدا وجميلا ؛ الا عندما تكون الطفولة رحبة وواعدة وجميلة . فيا شرفاء العراق , اينما كنتم ؛ مثقفين وكتاب وفنانين , اختلفوا كيفما تشاءون , تبادلوا العتاب وحتى الشتائم اذا شئتم , ولكن لا يحق لكم الصمت عما يجري في العراق . وسوف لن ترحمكم الأجيال القادمة على احتلالكم الدائم لموقع بائس بين صفوف " الأغلبية الصامتة " لا شيء اكثر ترويعا مما يجري . فاذا تأقلمتم مع الألم فدعوا اقلامكم وان كانت من رصاص لتكتب عن الم من رصاص .




تعليق