مدينة امتزج فيها الحاضر والماضي, تروى قصة بالحجر دون أن تهمس بكلمة، حين تمر في شوارعها وتجوب عيناك في أرجائها تتسابق الأسئلة إلى ذهنك في محاولة لفهم وتفسير كل ركن مر ناظرك عليه.
وكلما اقتربت من الإجابة عما يدور في خاطرك تدفقت في ذهنك أسئلة أخرى, وكأن المدينة تخاطب زائريها ليعيشوا فيها بأحاسيسهم بعيداً عن المنطق والتفكير، eSyria زارت التاريخ في مدينة معلولا بتاريخ 29 \ 6 \ 2008, لنخرج منها بهذه الكلمات.
معلولا التي تعود بنا إلى 30 ألف عام مضت تحتضنها القلمون في ركن جبلي ضمن سلسلة لبنان الشرقية, وتبعد قرابة 56 كم عن العاصمة دمشق إلى الشمال الشرقي منها, بنيت على كهوف الجبال وسفوحها،
ولكي تدخل إلى المدينة عليك أن تجتاز ممراً جبلياً يشعرك وأنت تمضي فيه وكأنك تبحر إلى عالم آخر من السحر والأسرار الدفينة والألغاز الغامضة, حتى يتراءى الخيال طبيعياً فيها, فكل ما تقع عيناك عليه تجده خارجاً عن المألوف بعيداً عن الواقع والزمن. جدار جبلي شاهق يحيط المدينة من أطرافها الثلاثة لتبدو وكأنها محمية طبيعية, منازلها معلقة على سفح الجدار الجبلي فوق بعضها البعض، تجاورها مغاور فاغرة أفواهها وكأن سلسلة التطور البشري مرت خلال لحظات, وتمثلت بخروج الإنسان الحجري من كهفه ليبني منزلاً مجاوراً له، في قصة حب أزلية بين الإنسان وجبله ترويها لوحة نادرة في مدينة سورية.
قصة مدينة:
تعد معلولا من أعرق المدن وأقدمها في منطقة القلمون, التي يتزاحم التاريخ فيها ليجد لنفسه موطئ قدم, فقد سكن إنسان ما قبل التاريخ المغاور والكهوف الصخرية في معلولا والتي لا تزال آثارها قائمة حتى الآن, ويحدثنا الأستاذ ( محمد فيصل) عن تسمية هذه المدينة قائلاً:" معلولا كلمة آرامية الأصل وتعني المدخل، وجاءت هذه التسمية لوجودها في شعب جبلي ضمن سلسلة لبنان الشرقية, أما المعنى الثاني لاسم المدينة فهو مرتبط بالأسطورة القديمة التي تروي قصة القديسة تقلا تلميذة بولس الرسول، التي هربت من قومها والتجأت إلى إحدى المغاور في جبل القلمون ونالت شهرة واسعة بعد أن استطاعت أن تشفي الكثير من المرضى من علل مستعصية، فأخذ المرضى يقصدون المدينة بغرض الشفاء, ومن هنا اقتبس الاسم الثاني للمدينة أي المكان الذي يقصده المعلولون".
ومدينة معلولا اليوم تقسم إلى قسمين قديمة وحديثة, أما القديمة فمنازلها وكنائسها عبارة عن كهوف محفورة في الصخر، وتتكون من ثلاث جدران مبنية أما الجدار الرابع فهو من صخر الجبل الذي يتكئ عليه البناء, وكل الجدران مطلية بالكلس الأزرق وهي متدرجة فوق بعضها البعض دون ممرات أو فواصل, في لوحة فنية فريدة أبدعتها يد الإنسان في الكهوف الاصطناعية, وحكمة الطبيعة في الكهوف الطبيعية, القرية الحديثة فمعظم بيوتها مبنية في الصخر وهي متدرجة نحو التل الصخري، يفصل بين القريتين ممران جبليان ربما يفسران الأهمية الإستراتيجية الكبرى لهذه المدينة عبر التاريخ من خلال قدرتها في صد الغزاة والمعتدين.
الأمر الآخر الذي يلفت الانتباه في هذه المدينة هو أن سكانها جزء أساسي من تاريخها, فأي شخص من قاطنيها بإمكانه أن يحدثك عن المعالم التاريخية الموجودة فيها بتفاصيل دقيقة ومعلومات وثيقة, وكأنك تستمع إلى باحث وخبير في الشؤون التاريخية والأثرية, فتاريخ هذه المدينة ما زال مطبوعاً في الأذهان وتتناقله الأجيال تلقائياً, فحكايات المدينة وأساطيرها تشكل بالنسبة إلى السكان المحليين ماضي الأجداد، وهي مصدر فخرهم واعتزازهم وتمنحهم خصوصية معينة تميزهم عن سكان المدن الأخرى, وما زالت القرية إلى الآن تحتضن أساطير مخيفة وقصصاً غريبة لم تدون في كتب التاريخ. يروي لنا أحد السكان أسطورة قديمة في هذه المنطقة الجبلية وهي عن وجود تجاويف صخرية لها فتحات من الأعلى تشبه إلى حد ما فوهات البراكين, وكانت تستخدم لشنق الأشخاص الذين حكم عليهم بالإعدام, بعد أن تتم محاكمته في جوف صخري داخل الجبل, وكان الملوك يقفون عند رأس المكان الصخري ويصدرون حكم الإعدام لتنفيذه.
سكان مدينة معلولا البالغين قرابة "16" ألف نسمة من المسيحيين والمسلمين كانوا قديماً يعملون بالزراعة وتربية المواشي كمورد أساسي للعيش, وينتجون البطاطا والعنب وبعض
البيوت الصخرية في معلولا أنواع الحبوب, ويربون دودة القز وينتجون خيوط الحرير الطبيعي, ويقيمون مبادلات وعلاقات تجارية مع المدن والقرى المجاورة فقد كانوا يبادلون الخوخ بالشعير والزبيب مع قرية التواني ويبرود, كما اعتمدوا على الصناعات اليدوية البسيطة ومنها العبي والبسط التي تعتمد في صنعها على النول اليدوي, إضافة إلى المشروبات الكحولية من العنب.
أما مياه الوادي التي تسقي البساتين والأراضي فهي منحدرة من فجيها، وكانت المياه دائمة الجريان صيفاً وشتاءً دون انقطاع, ولكن مع انخفاض نسبة تلك المياه في العقود الأخيرة ظهرت الحاجة إلى وضع نظام لتقسيم المياه وتنظيمها فاستعملوا لذلك الساعة الرملية, وكانت المياه تدير عدداً من الطواحين المائية في أيام غزارتها, أما في الوقت الحالي فسكان المدينة يعتمدون بشكل رئيسي في حياتهم اليومية على السياحة حيث يؤم المدينة آلاف من السياح والزائرين من مختلف دول العالم, فهي تحتوي على آثار مسيحية قديمة، ومنها كنيسة بيزنطية تعد من أقدم الكنائس الموجودة في العالم, إضافة إلى وجود أضرحة بيزنطية منحوتة في الصخر, والدير المشهور ( مار تقلا ).
لغة السيد المسيح:
يتكلم سكان مدينة معلولا اللهجة السريانية " الآرامية الغربية " إلى جانب سكان قريتي ( جبعيدين – الصرخة ) المجاورتين لها دون كتابتها وهي ذا ت اللغة التي تحدث بها السيد المسيح, وتعتبر من أقدم اللغات المحكية في العالم, ولا يتكلم بها أي شعب من شعوب العالم باستثناء سكان معلولا والقريتين المجاورتين لها , وتعتبر هذه اللغة من الأولويات الأولى بين لغات العالم من حيث اهتمام الباحثين ودارسي اللغات القديمة، والذي يتوافدون من مختلف أنحاء العالم إلى هذه القرى الثلاث لدراسة اللغة الآرامية فيها.
والآرامية هي اللغة التي كانت متداولة بين سكان منطقة الشرق في العصور القديمة وفي ظل الإمبراطورية الرومانية, ويعتبر سكان المدينة كما أوضحوا لنا أن التكلم بلغة السيد المسيح وتلاوة الصلوات بها، يبقي حياتهم في اتصال دائم مع السيد المسيح, ويحول لغتهم إلى لغة إيمانية ربانية, وحروف اللغة اثنان وعشرون حرفاً تكتب بصيغتين كبيرة وصغيرة, في الصيغة الكبيرة التي تمسى (أسترنجيلي) يتم تجميع كل الحروف بستة كلمات فقط وهي " ابهدى – وز- حطت – كلمن – سعفوء – قرشة لا "، والأرقام في اللغة الآرامية هي الحروف الهجائية ذاتها, والطريف بأنها تبدأ بالرقم واحد وليس الصفر كما في اللغات الأخرى.
سورية التي تحدثت اللغة الآرامية قبل ثلاثة آلاف عام لم تنس ماضيها، وإنما عملت على إحداث مركز لتعليم اللغة الآرامية في معلولا تابع للمعهد العالي لتعليم اللغات في جامعة دمشق, المعهد بدأ بدورات تعليمية وبمستويات مختلفة ومدة كل دورة سبعة أسابيع موزعة على خمسة أيام في الأسبوع, ويعتبر هذا المركز الوحيد في العالم الذي يدرس اللغة الآرامية بالحروف الأصلية المربعة. وعن تاريخ اللغة الآرامية يقول الأستاذ (محسن المهدي) " كانت اللغة الآرامية من أكثر اللغات الشائعة في زمن الإمبراطورية الرومانية الغربية, وقد أصبحت في زمن الساسانيين اللغة الرسمية في البلاد ووصلت إلى الصين والشرق الأقصى, كما كانت اللغة الأساسية التي يتحدث بها اليعاقبة, وظلت لفترة طويلة من التاريخ لغة العلوم والآداب والفلسفة, واختفت هذه اللغة تدريجياً من العالم بعد ظهور اللغات القومية في كل أرجاءه، إلا في مدينة معلولا وهذا ما جعل من سورية ومعلولا هدفاً سياحياً وعلمياً لمختلف الباحثين والعلماء."
الأديرة الموجودة في معلولا:
يقول الأستاذ والباحث (نور الدين عقيل) " يخبرنا التاريخ أن عمر معلولا يعود إلى (30) ألف سنة مضت وقد اكتشف فيها آثار إنسان العصور الحجرية, وهي عبارة عن أدوات صوانية وفخارية متنوعة, وقد استوطنت منذ تلك العصور الساحقة في القدم حيث توافرت أهم شروط الحياة كالماء والغذاء والملجأ الصخري". ويضيف الأستاذ نور الدين قائلاً " إن الموقع الجغرافي لهذه البلدة والأديرة والكنائس التي أقيمت في أعاليها, هي عبارة عن دائرة
من الأديرة الموجودة في المدينة لفوهة بركان مفتوحة من الطرف الجنوبي الشرقي, ويذكر علماء الجيولوجيا أنه تشكلت في الدور الجيولوجي الرابع مع نسق تشكل السلسلة التدمرية الشامية التي تبدأ بجبل العرب جنوب سورية وتنتهي عند جبل سنجار شمال شرق سورية, والبلدة متشبثة بالصخور حتى ارتفاع 1612 م فوق سطح البحر, وتحيط بها مغاور أثرية حفرت أو نقرت في عمق الصخور الصلبة بأشكال هندسية بارعة, وكانت هذه المغاور إما مساكن لبشر عاشوا في هذه المنطقة, أو مقابر لعائلات حاكمة, أو معابد وثنية كان الناس يمارسون فيها طقوسهم الدينية", ويضيف " هؤلاء الناس عاشوا قرب نبع ماء عذب يجري ماؤه في جدول أسفل البلدة ليروي الأراضي المنبسطة أسفل المنحدر في جنوب شرقي البلدة, وبعد إيمان الناس بالمسيحية وانتشارها في المنطقة أقام السكان قرب مثوى القديسة تقلا كنيسة وديراً يعتبر من أشهر أديرة القلمون، وقد أدخلت إلى هذا الدير القابع عند المدخل الجنوبي للفج الصخري الكثير من الإضافات في العصور اللاحقة".
وعن الأديرة والمعابد الموجودة يقول " وفي أسفل الدير يتربع معبد روماني يطلق عليه السكان تسمية ( حمام الملكة ), ومقابل دير مارتقلا هذا يقوم على حافة فوهة البركان المقابلة دير ( مار سركيس ) وهو يعتبر من الأديرة الجميلة, وكنيسته مليئة بأيقونات بديعة تعود لآثار الروم الكاثوليك، ويعود بناء دير (مار سركيس) وكنيسته الشهيرة إلى القرن الرابع الميلادي, وقد اشتق اسم هذا الدير من تسمية القديس ( سرجيوس ), ورمم في القرن السابع عشر الميلادي, وأودعت فيه مجموعة من الأيقونات القديمة النادرة, وغالبيتها من صنع الرسام الشهير ( ميشال دوكرايت ) الذي عاش في القرن السابع عشر, واشتهرت الكنيسة بالمذبح الفريد من نوعه لأنه صنع على شكل المذابح اليهودية والوثنية التي كانت تقدم عليها المحرقات الطقسية".
عيد الصليب.... بين الحقيقة والخيال:
في العام 325 تولى الملك قسطنطين عرش المملكة في قسطنطينية بعد سنين طويلة من الاضطهاد الروماني الوثني للمسيحية, وقد اتصف حكم هذا الملك بالعدل والمساواة وشيوع الحريات العامة, وكانت أبرز وأشهر مراسيمه الملكية هو أنه جعل المسيحية دين الدولة, وهكذا شرع المسيحيون في بناء الكنائس لممارسة العبادة فيها بشكل علني, وقد قرعت النواقيس لأول مرة دون خوف.
وحدث أن القديسة هيلانه والدة الإمبراطور أرادت أن تقوم بمهمة تاريخية مقدسة خدمة للدين المسيحي والكنيسة على مر الأجيال القادمة,وتتلخص هذه المهمة في أن القديسة أرادت أن تنقب عن خشبة الصليب التي رفع عليها السيد المسيح, ففي ذات يوم أخبرت القديسة ابنها الإمبراطور ضرورة إيجاد الصليب المقدس على الكنائس, فما كان من الإمبراطور إلا أن أمر بتجهيز المال والعتاد والرجال وتسيير قافلة إلى الأراضي المقدسة في فلسطين للبحث عن مكان وجود الصليب، وكانت الملكة الأم على رأس هذه القافلة التي قصدت الأراضي المقدسة, وجعلت من الجبال محطات لها وقالت للعسكر الذين يرافقونها " إن رأيتم النار مشتعلة على قمة الجبل الذي أمامكم، فهذا معناه أن صليب المسيح قد وجد, وعليكم أن تشعلوا النار أيضاًَ لإعلام من يليكم وهكذا حتى يصل الخبر إلى القسطنطينية".
وكان للملكة خادمة يهودية من القدس الشريف اصطحبتها معها لرؤية أهلها وللاستفادة منها في هذه الرحلة الطويلة, ووصلت الملكة وصحبها ومن معها إلى القدس, والتقت الخادمة اليهودية بأبيها وسألته عما إذا كان يعلم عن المكان الذي صلب فيه المسيح بناء عما عرفه من السلف عن هذا الأمر، فأجابها أبوها قائلاً " انظري يا ابنتي إلى تلك التلة التي تدعى ( بستان الريحان ) وفي إحدى زواياه وضعت الصلبان, وبأمر من الجنود الرومان طمرت بالرمال لإخفاء المعالم, فنقلت الخادمة اليهودية كلام أبيها إلى الملكة سراً, فنادت الملكة على السكان المقيمين في تلك التلة قائلةً: " من كان منكم بحاجة إلى مال فليأت إلى هنا وبدأت تنثر الدراهم الذهبية على الأرض لتشجيعهم على
الكهوف والمغاور في معلولا الحفر والتنقيب, وبدأ الأهالي يتزاحمون في عمليات الحفر والتقاط الدراهم, وكلما توقف السكان عن البحث والحفر، تعود الملكة من جديد لترمي الدراهم الذهبية على الأرض,و هكذا دواليك حتى ظهرت لهم خشبان الصلبان الثلاث, فحاروا في أمرهم.... ترى أي صليب هو الذي يخص السيد المسيح, فتذكرت الملكة هيلانه أعظم أعجوبة للسيد المسيح وهو إقامة الموتى, فطلبت ثلاثة أموات كانوا قد دفنوا حديثاً ووضعت كل منهم على خشبة من الصلبان الثلاث, فإذا بأحدهم يفتح عينيه ويرفع يده اليمنى للشهادة , وللحال صرخ الحاضرون ...... هذا هو صليب السيد المسيح, فأمرت الملكة بإشعال النار على قمة جبل الجلجلة إعلانا لذلك, فلما رأى المتواجدون النار على قمة الجبل سارعوا بدورهم لإشعال النار وتبعهم بذلك جميع الزمر المتواجدة على قمم الجبال وصولاً إلى مشارف القسطنطينية, وعندئذ عرف الإمبراطور بأن أمه بلغت ما أرادت وحينها احتفل برفع الصليب المقدس في المدينة بعد نقله إلى هناك في الرابع عشر من شهر أيلول من ذلك العام. لهذا السبب ما زالت معلولا تحتفل بذكرى هذا الحدث العظيم من كل عام وتمتاز به عن سائر الأماكن الأخرى التي تحتفل به, لاعتقاد أهلها الراسخ بان قمة جبل معلولا كانت إحدى القمم التي أشعلت عليها النار للإعلان عن العثور على خشبة الصليب المقدس, والكنيسة المقدسة تردد أنشودة خاصة بهذه المناسبة الشريفة.
م ل ط و ش


تعليق