على ضفاف بحيرة صفصاف ...
في موسمٍ خريفيّ هادئ يودع الكون بعزم ..
جلس فتىً قد بُـتِـرَتْ رجله اليمنى من منتصف الساق تقريباً ، على حافةِ أريكةٍ خشبيةٍ عريضة بين أشجار اللوز..
أخذ يرمق بعينين غائرتين حركة طيور اللقلق المهاجرة وهي تسبح في البحيرة بوداعةٍ ساحرةٍ وترسم موجاتٍ من الدوائر المتداخلة هنا وهناك على سطح الماء .
تسللت أولُ نسمةِ هواءٍ باردة إلى صدر الفتى منذرةً بمَقْدَمِ فصل شتاءٍ قارس ...
لف الفتى صدره ونحره وأطراف أذنيه بوشاح قطني غليظ ..
وراح يغرز رأسه ورقبته بين كتفيه يتقي البرد ...
دنا من الفتى رجل ٌ عجوزٌ في منتصف السبعينات يدفع أمامه عربةً مجهزةً لبيع ثمار الكستـناء المشوي
اقترب من حافة الأريكةِ وحيا الفتى باحترامٍ وأدب ..
ثم أخذ مكانه عليها وهو يسدد نظره إلى أعدادٍ من الطيور التي تجمعت على حافة البحيرة أمامهـما مباشرة وهي تشعر بالأمان التام.
أخذ العجوز يرمي بقشور الكستـناء وبعض ثمارها المفتـت على راحة يده العريضة إلى الطيور التي تجمعت سريعاً لتقتات منها في منظر متراصّ ٍ بديع وأخّـاذ .
مضت دقائق لم ينطقا خلالها بكلمةٍ واحدة.
كانت طقُوس الإتيكيت لأبناء الذوات وأدبهم الرفيع المبالغ فيه حد الإسراف في نفس الفتى ، تمنعه أن يكون البادئ بالكلام مع الأغراب ..
وكانت هموم الأمس الثقيلة، وأرتالٌ من الذكريات المظلمة ، والوحشة والبؤس والشقاء والحرمان ، تمنع العجوزَ من أن يكون البادئ بالكلام هو أيضاً , مع فتى بدا متشاغلاً عنه تماماً .
مضت دقائق أخرى وهما على هذه الحال ..
ثم انفرجت سُبُحاتُ وجه العجوز عن ابتسامةٍ عريضة وهو يمضغ شيئاً من الكستـناء في فمه .. ويمد ببعضٍ منه إلى الفتى بتودد ..
: - " إقترب فصل الشتاء مبكراً هذا العام وسترحل طيور اللقلق قريباً كالعادة" .. قالها بعد أن ملأ صدره بالهواء النقي وكأنه يستنشق الحياة
- نظر إليه الفتى وهو يتناول الكستناء بتثاقل ، ويدفع برجله السليمة كرسيه المتحرك من أمامه ليعتدل في جِـلْسَته ثم قال : " نعــم.. لقد اعتدتُ مراقبتها هنا مع بداية موسم هجرتها من كل عام "
- : " أتدري أن الله أودع فيها ثلاثةَ أسرارٍ عجيبة ، اكتشفتها مع طول ملاحظةٍ وترقّـب !؟
إعتدل الفتى في جِلْسته وبدا عليه الاهتمام أكثر ..
أردَفَ العجوزُ يقول : " لقد أودع الخالقُ فيها أسراراً لا تنتهي من العذوبة والوداعة والانضباط في حياتها داخل الجماعة ..
وهي تألف بشكل عميق ؛ المكانَ الذي تستوطنُ فيه أول مرة وتأرزُ إليه في هجرتها السنوية، حتى أصبحت رمزاً للسلام والحب والوفاء .
وهي تألف بشكل عميق ؛ المكانَ الذي تستوطنُ فيه أول مرة وتأرزُ إليه في هجرتها السنوية، حتى أصبحت رمزاً للسلام والحب والوفاء .
أما السر الثاني ...
فإنها لا تبقى حبيسة المكان أبداً .. بل تهاجر بعيداً في الفضاء الرحب ، تكتشف المجهول وتبحث عن الدفء أينما كان ، ومتى وجدتْهُ استوطنت وبنت أعشاشها ، وإن لم تجده ارتحلت وعاودت التحليقَ من جديد ..
هذا هو إيقاعها الفطري ..
وهذه هي نواميسها التي جُـبِلَتْ عليها مع بدء الخليقة.
وهذه هي نواميسها التي جُـبِلَتْ عليها مع بدء الخليقة.
وأما السر الثالث ..
فإنه ليس شيءٌ من الطيور المهاجرة يفترس ..
أو يهاجم ..
أو يغدر أو يعتدي...
تلك كلمات قد نزعتْ من قواميسها تماماً.
لم يكدِ العجوزُ يكمل عبارته هذه حتى مزّق الهدوء َ صوتُ رصاصةٍ مُدَوّيةٍ انطلقت من فُـوّهة بندقية صياد أرعن اخترقت حاجز الصمت
تسارعت دقات قلب الفتى .
والعجوز المذهول..
وبقايا من مارةٍ هنا وهناك أهالهم الموقف !
ثوانٍ معدودات كانت كافيةً أن تمتلئ خلالها سماءُ البحيرة بأسراب ٍ من الطيور الفزعة وهي تحلق بعيداً باتجاه الشمس ..
وقطراتٌ من الماء تتساقط من بين أرجلها وقوادمها وما سَـفُـلَ من ريشها الرطب ..
مخلفةً وراءها منظراً مهيباً يبعث في النفس الإعجاب لهذا التنظيم المحكم حتى وقت الفزع .
غادر السرب قبل أوان رحيله ..
ولم يخلف وراءهُ غيرَ طائرٍ قد اخترقتِ الرصاصةُ عظمةَ جناحه، فلم يقو على الطيران .. وراح يتوارى خلف سيقان شجيرات القصب والبوص يتقي بنفسه شر رصاصة ثانية قد تخترق قلبه هذه المرة..
ولم يخلف وراءهُ غيرَ طائرٍ قد اخترقتِ الرصاصةُ عظمةَ جناحه، فلم يقو على الطيران .. وراح يتوارى خلف سيقان شجيرات القصب والبوص يتقي بنفسه شر رصاصة ثانية قد تخترق قلبه هذه المرة..
وقد عزم على الرحيل بعد أن يجف الدم ويبرأ الجرح .
جمع العجوز أطراف عربته بعضها إلى بعض في أسى .. وهو ينظر إلى الفتى وخادمه يمسك بذراعه ليجلسه على كرسيه المتحرك وباب سيارة والده هناك مفتوح ينتظره على مدخل الحديقة ...
فئام من زائري الحديقة الذين أفزعهم الموقف .. وقد آذنوا بالرحيل هم أيضاً ..
إلتفت الفتى إلى الشيخ العجوز والدموع في عينيه وهو يقول : " يا عــم ...
أدركتُ الآن لم ترتحل الطيور قبل أوان رحيلها !!!
أدركتُ الآن لم ترتحل الطيور قبل أوان رحيلها !!!
لكن ..
هل كانت لترتحل لو لم تكن هناك رصـــــاصة ...؟؟؟؟ " . .




تعليق