حديث قبل الحرب

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • swalif lil
    محترف
    • Feb 2012
    • 310
    • male

    #1

    حديث قبل الحرب

    كان من أولى الدعائم التي اعتمدها الرسول صلى الله عليه وسلم في برنامجه الإصلاحي، والتنظيمي للأمة وللدولة والحكم، الاستمرار في الدعوة إلى التوحيد والمنهج القرآني، وبناء المسجد، وتقرير المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وهي خطوة لا تقل أهمية عن الخطوة الأولى في بناء المسجد لكي يتلاحم المجتمع المسلم ويتآلف وتتضح معالم تكوينه( ) الجديد.
    كان مبدأ التآخي العام بين المسلمين قائما منذ بداية الدعوة في عهدها المكي،
    ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كل ما يؤدي إلى التباغض بين المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» ( ).
    وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه( ) ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته( ) ومن فرج عن مسلم كربة( ) فرج الله- عز وجل- عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة»( ).
    وقد أكد القرآن الكريم الأخوة العامة بين أبناء الأمة في قوله تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
    بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ
    تَهْتَدُونَ ) \[آل عمران: 103].
    وقوله تعالى: ( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) \[الأنفال: 63].
    الذين تآخوا بمكه
    حمزة وزيد بن حارثة، وبين أبي بكر وعمر، وبين عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال الحبشي، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وطلحة بن عبيد الله، وبينه وبين علي بن أبي طالب( ) ويعتبر البلاذري (ت276هـ) أقدم من أشار إلى المؤاخاة المكية، وقد تابعه في ذلك ابن عبد البر (ت463هـ) دون أن يصرح بالنقل عنه، كما تابعهما ابن سيد الناس دون التصريح بالنقل عن أحدهما( )، وقد أخرج الحاكم في المستدرك من طريق جميع بن عمير عن ابن عمر: «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان»( ) وعن ابن عباس: «آخى النبي صلى الله عليه وسلم بن الزبير وابن مسعود»( ).
    وذهب كل من ابن القيم وابن كثير إلى عدم وقوع المؤاخاة بمكة، فقال ابن القيم: «وقد قيل إنه- أي النبي صلى الله عليه وسلم- آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية، واتخذ فيها عليا أخا لنفسه، والثبت الأول( )، والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام، وأخوة الدار وقرابة النسب، عن عقد مؤاخاة بخلاف المهاجرين مع الأنصار»( ) أما ابن كثير فقد ذكر أن من العلماء من ينكر هذه المؤاخاة لنفس العلة التي ذكرها ابن القيم( ).
    لم تشر كتب السيرة الأولى المختصة إلى وقوع المؤاخاة بمكة، والبلاذري ساق الخبر بلفظ (قالوا) دون إسناد مما يضعف الرواية، كما أن البلاذري نفسه ضعف النقاد، وعلى فرض صحة هذه المؤاخاة بمكة فإنها تقتصر على المؤازرة والنصيحة بين المتآخين دون أن تترتب عليها حقوق التوارث( ).



    * بعض أسماء المهاجرين والأنصار ممن تآخوا في الله:
    أبو بكر الصديق ? وخارجة بن زهير، عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ، عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، الزبير بن العوام وسلامة بن سلامة بن وقش، طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك، سعيد بن زيد وأبي بن كعب، مصعب بن عمير وأبو أيوب خالد بن زيد، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعباد بن بشر بن وقش، عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، أبو ذر الغفاري والمنذر بن عمرو، حاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة، سلمان الفارسي وأبو الدرداء، بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي( ).



    وقد حصر الإسلام الأخوة والموالاة بين المؤمنين فقط قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) \[الحجرات: 10].
    وقطع الولاية بين المؤمنين والكافرين من المشركين واليهود والنصارى، حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أبناءهم، ووصف من يفعل ذلك من المؤمنين بالظلم، مما يدل
    على أن موالاة المؤمنين للكافرين، من أعظم الذنوب قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
    لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) \[التوبة: 23].
    فإذا كان الله سبحانه يحذر المؤمنين في الآيات السابقة من موالاة الكفار عامة، فهناك آيات كثيرة وردت في تحذير المؤمنين ونهيهم عن طاعة أهل الكتاب خاصة، أو اتخاذهم أولياء، أو الركون إليهم( ).
    قال تعالى: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ
    هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ
    نَصِيرٍ ) \[البقرة: 120].
    وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ) \[آل عمران: 100].
    وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) \[المائدة: 51].
    وحدد المولى عز وجل للذين آمنوا جهة الولاء الوحيدة التي تتفق مع صفة
    الإيمان وبين لهم من يتولون قال تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ? وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) \[المائدة: 55-56].
    فقد فهم الصحابة أن ولاءهم لا يكون إلا لقيادتهم، وإخلاصهم لا يكون إلا لعقيدتهم، وجهادهم لا يكون إلا لإعلاء كلمة الله، فحققوا ذلك كله في أنفسهم وطبقوه على حياتهم فمحضوا ولاءهم وجعلوه لله ورسوله والمؤمنين، وأصبح تاريخهم حافلاً بالمواقف الرائعة التي تدل على فهمهم العميق لمعنى الولاء الذي منحوه لخالقهم ولدينهم وعقيدتهم وإخوانهم.
    إن التآخي الذي تم بين المهاجرين والأنصار كان مسبوقاً بعقيدة تم اللقاء عليها، والإيمان بها، فالتآخي بين شخصين يؤمن كل منهما بفكرة أو عقيدة مخالفة للأخرى خرافة ووهم، خصوصاً إذا كانت تلك الفكرة أو العقيدة مما يحمل صاحبها على سلوك معين في الحياة العملية، ولذلك كانت العقيدة الإسلامية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى هي العمود الفقري للمؤاخاة التي حدثت، لأن تلك العقيدة تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء، والتعاون والإيثار بين أناس فرقتهم العقائد والأفكار المختلفة، فأصبح كل منهم ملكا لأنانيته وأثرته وأهوائه( ).

    وهذا عبد الرحمن بن عوف ? يحدثنا عن هذه المعاني الرفيعة حيث قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالاً فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت( ) تزوجتها، قال: فقال عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قينقاع( ) فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن قال: ثم تابع الغدو( ) فما لبث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صفرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تزوجت» قال: نعم، قال: «ومن؟» قال: امرأة من الأنصار، قال: «كم سقت؟» قال زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أولم ولو بشاة» ( ) ونلاحظ أن كرم سعد بن الربيع قابله عفة وكرم نفس من عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، ولم يكن مسلك عبد الرحمن بن عوف خاصًّا به، بل إن الكثير من المهاجرين كان مكوثهم يسيراً في بيوت إخوانهم من الأنصار ثم باشروا العمل والكسب واشتروا بيوتاً لأنفسهم وتكفلوا بنفقة أنفسهم، ومن هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم.
    كان الأنصار قد واسوا إخوانهم المهاجرين بأنفسهم وزادوا على ذلك بأن آثروهم على أنفسهم بخير الدنيا، فعن أبي هريرة ? قال: (قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا» فقالوا: تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا)( ).
    فهذا الحديث يفيد أن الأنصار عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى قسمة أموالهم بينهم وبين إخوانهم المهاجرين، وقد كانت أموالهم هي النخيل، فأبى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أمرا تكون فيه المواساة من غير إجحاف بالأنصار، بزوال ملكية أموالهم منهم، فقال الأنصار للمهاجرين: تكفوننا المؤونة- أي العمل في النخيل من سقيها وإصلاحها- ونشرككم في الثمرة، فلما قالوا ذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا الرأي ضمن سد حاجة المهاجرينن مع الإرفاق بالأنصار فأقرهم على ذلك فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا( ).
    وقد قام الأنصار بالمؤونة وأشركوا المهاجرين في الثمرة، ولعل المهاجرين كانوا يساعدونهم في العمل، ولكن أكثر العمل عند الأنصار، وقد شكر المهاجرون للأنصار فعلهم ومواقفهم الرفيعة في الإيثار والكرم، وقالوا: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا
    عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير، ولقد كفونا المؤونة وأشركونا في
    المهنأ ( ) حتى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر كله، قال: «لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله عز وجل لهم» ( ).
    وفي إشارة المهاجرين إلى الأجر الأخروي بيان لعمق تصورهم للحياة الآخرة، وهيمنة هذا التصور على تفكيرهم( ).
    وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكافئ الأنصار على تلك المكارم العظيمة التي قدموها لإخوانهم المهاجرين، فعن أنس بن مالك ? قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: «إمَّا لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة» ( ).
    لقد حققت المؤاخاة أهدافها، فمنها إذهاب وحشة الغربة للمهاجرين ومؤانستهم عن مفارقة الأهل والعشيرة، وشد أزر بعضهم بعضاً، ومنها نهوض الدولة الجديدة، لأن أي دولة لا يمكن أن تنهض وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمة وتساندها، ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة، فكل جماعة، لا تؤلف بينها آصرة المودة والتآخي الحقيقية، لا يمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة في الأمة أو الجماعة فلا يمكن أن تتألف منه



    تكـــّـــوه مع سياسيه محنكه

    التعديل الأخير تم بواسطة swalif lil; الساعة 11-Mar-2012, 05:06 PM.
  • swalif lil
    محترف
    • Feb 2012
    • 310
    • male

    #2
    رد: حديث قبل الحرب




    يتبع لما سبق





    مفهوم عمارة الأرض





    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:

    فإن الله -سبحانه وتعالى- استخلف البشر في الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال كنوزه وثرواته، والناس في ذلك شركاء، والمسلمون ينفذون أمر الله ومقاصده، قال الله تعالى: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61) سورة هود، والاستعمار: معناه التمكين والتسلط، كما هو واضح من قوله سبحانه: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (10) سورة الأعراف. وقوله عز شأنه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً (29) سورة البقرة، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ (13) سورة الجاثية، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء (22) سورة البقرة. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (53) سورة طـه، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) سورة الملك.

    واللام في (لكم) تفيد الاختصاص على جهة الانتفاع للمخاطبين، أي أن ذلك مختص بكم، مما يدل على أن الانتفاع بجميع مخلوقات الأرض، وما فيها من خيرات مأذون فيه، بل مطلوب شرعاً.

    واعتبر الفقهاء تعلم أصول الحراثة والزراعة ونحوها مما تتم به المعايش التي بها قوام الدين والدنيا من فروض الكفاية، لأن كل فرد من الأفراد عاجز عن القيام بكل ما يحتاج إليه. وخصصوا باباً معيناً للكلام عن (إحياء الموات) أو بتعبيرنا (استصلاح الأراضي المتروكة) كما فصلوا في بحث (الزكاة) أحكام المعادن الجامدة والسائلة والركاز، ووضع الإمام أبو يوسف كتابه (الخراج) لهارون الرشيد أبان فيه كيفية استثمار الأرض وطرق الري من الأنهار الكبرى وموارد بيت المال من خراج ونحوه.

    وحض الإسلام عموماً على الضرب في الأرض (أي السفر التجاري) والسعي الحثيث في مناكبها، والتنقيب عن موارد الرزق في البر والبحر، والإنشاء والتعمير وتوفير أسباب المعيشة والتنافس المشروع في كسبها، والتسابق في الخيرات كلها دنيوية أم أخروية؛ لأن معنى استخلاف الله للبشر وخلافتهم عن الله في الأرض يتطلب طاعة المستخلف طاعة كاملة، ولأن السيطرة على الأرض بتمكين الله للبشر تقتضي استغلال كل أوجه الخير فيها من استنبات الزرع، وإحياء الضرع، وتشجير الأشجار، واستخراج المعادن والزيوت، واستثمار المناجم والمحاجر والمقالع وإقامة المساكن والمصانع والقرى والمدن حتى يعرف بكل ذلك ونحوه عظمة الله وقدرته؛ لأنه هو مانح الحياة لكل الموجودات.

    وذلك على النقيض تماماً من الاتجاه المادي القاتم الذي يوجه الناس نحو الشعور بألوهية الإنسان لسيطرته على الطبيعة ومواردها، ولتقدمه العلمي والتقني والفني، مما يؤدي إلى عبادة المادة ويورث الإنسانية كثيراً من القلاقل والاضطرابات، والعداوة والبغضاء والحروب المدمرة.

    لذا فإن عمارة الأرض واستغلالها يتقيدان في الإسلام بطاعة الله والاهتداء بهديه والامتناع عما نهى عنه، والاعتقاد بأن الناس جميعاً شركاء في منتجات الطبيعة المباحة، فكان لا بد لهم من التراحم والتعاون في العمل والنتاج (العطاء) بدون تخصيص، أو تمييز البشر في الجنس أو اللون أو العنصر...

    ومن ثم فليس في الإسلام مجال للحقد أو الاستئثار أو الاستعمار بالمعنى الشائع اليوم، أو حجر الآخرين عن الانتفاع الحر بالأرض، لأن البشر هم خلق الله، وأحب خلق الله إلى الله أنفعهم لعياله. فلا معنى لاستغلال جنس من الأجناس، أو بلد من البلدان لجنس آخر أو بلد آخر، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20) سورة الروم. أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (60) سورة يــس.

    قال الماوردي: (القاعدة الخامسة من القواعد التي تصلح بها الدنيا: خصب دار تتسع النفوس به في الأحوال وتشترك فيه ذوو الإكثار والإقلال، لكون الأسعار رخيصة فيقل في الناس الحسد، وينتفي عنهم تباغض العدم، وتتسع النفوس في التوسع وتكثر المواساة والتواصل، وذلك من أقوى الدواعي لصلاح الدنيا، وانتظام أحوالها، ولأن الخصب يؤول إلى الغنى، والغنى يورث الأمانة والسخاء).1

    أيها المسلمون: يقدم الإسلام أروع صورة لعمارة الأرض في ظل ثقافة التوحيد لله والاستخلاف للإنسان ، في داخل إطار المشروعية العليا الإسلامية، ألا وهى العدل المستمد من التوحيد، فلقد شاءت إرادة الخالق عندما خلق الكون وسخره للإنسان أن يحدد الطريق لإعمار الأرض ضمن إطار من الأحكام:

    فهناك الأحكام المتعلقة بالضرورات وهذه ثابتة لا تتغير، والأحكام المتعلقة بالحاجيات كرفع المشقة، وبالتحسينات الملائمة للذوق، وهذه شديدة المرونة على حسب الأحوال، وأرسى بذلك قواعد النظام الاجتماعي في المجتمع المسلم؛ ليكون هديا لبني الإنسان في كل مكان وزمان.

    وليس من شك في أن عبادة الله هي الأصل والأساس إذ يقول سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) سورة الذاريات، ولكن العبادة المقصودة بحكم النص القرآني أن الإنسان العابد لا بد أن يكون عاملا منتجا، باعتبار أن العمل الجاد هو السبيل لإسعاد الفرد والجماعة، وفى هذا يقول -سبحانه وتعالى-: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) سورة الحـج.

    كما يقول: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) سورة القصص، ويقول: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) سورة الجمعة.

    وكما أن الدين دعوة للتراحم والمودة فإنه كذلك دين وسط يدعو للعمل والإنتاج، ليعمر الكون، ويعيش الإنسان في خير وسعادة عندما يعمر نور الإيمان قلبه، ويحصن نفسه ويهذب أخلاقه، فيحيا في عمله، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) سورة التوبة، ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) سورة المائدة، وليس أبلغ من هذا موازنة بين المادة والروح وبين الدين والدنيا، فكما أن الالتزام العام بفروض الكفاية يؤدى إلى التضامن بين أبناء الأمة، كذلك فإن الإنسان بالعمل يكون قدوة للآخرين فقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) رواه البخاري.

    فليس في الإسلام دعوة إلى الرهبنة أو نكران للمتع الحلال المباحة، وإنما هو دعوة صريحة للعمل الذي يتحقق به الإعمار الذي يعود بالخير على العالمين.

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. أستغفر الله العظيم وأتوب إليه إنه هو التواب الرحيم.

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام لنا دينا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:

    أيها الناس:

    إن مزية الإسلام العظمى في مجال إعمار الأرض أنه -وهو يعمل على رفع الإنسان إلى أعلى؛ لموازنة ثقلة الشهوات- لا يدفعه إلى منطقة ينعدم فيها جذب الأرض، كما تفعل الرهبانية والهندوكية والبوذية، فهذه قد تيسر للإنسان التحليق في الفضاء، ولكنها تؤدي به إلى إهمال عمارة الأرض وحفظها من الفساد بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلها تكاليف ربانية أمر بها الله، لأنه يعلم أن فيها صلاح الحياة والإنسان، وهو الذي خلقه ويعلم ما يصلحه وما يصلح له: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك:14). هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (هود:61). الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج : 41). يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الصف: 10 -11).

    وكذلك فإنه -وهو يوجه الإنسان إلى عمارة الأرض، والاستمتاع بالطيبات فيها- لا يتركه يغرق في حمأة الشهوات، لأنه عندئذ يترهل ويفسد، ويستثقل التكاليف التي يتطلبها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، لأنها تبدو في حسه موانع تعوق الإنسان عن المتاع: لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ (التوبة: 42). وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (التوبة: 86-87).

    وإنما يعمل الإسلام على أن يقوم الإنسان متوازناً بين عنصريه المكونين له: قبضة الطين ونفخة الروح، عاملاً في الدنيا وعاملاً للآخرة في ذات الوقت: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (الملك: 15).2

    وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك في قوله: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).3

    فالمؤمن القوي في إيمانه ونشاطه، وفي عمارته للأرض بالعلم والعمل والدعوة والنفع خير من المؤمن الضعيف، وفي كليهما خير..

    وقال -صلى الله عليه وسلم- في أمر الدنيا وعمارتها: (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل).4

    وفي هذا الحديث "مبالغة في الحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به فاغرس لمن يجئ بعدك لينتفع، وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة، وذلك بهذا القصد لا ينافي الزهد والتقلل من الدنيا".5

    هذا معنى عمارة الأرض وإصلاحها، فلتكن حياتنا أيها الناس حياة عامرة بالخير، مليئة بالبناء الإيماني والبناء الدنيوي، ليدخل المسلم في الإسلام كافة، ولا يكن منه في زاوية ضيقة، إن فهم الإسلام على أنه دين التبتل والرهبنة وأنه يدعو إلى ترك الحياة كلياً فهم خاطئ، إنما يمقت الإسلام الخنوع والخضوع إلى زهرة الحياة الدنيا وجعلها كل شيء، والقتال من أجلها والعداوة البغضاء لها، أو أن تكون الدنيا هي المسيطرة على حال الإنسان فينسى بذلك الأخلاق العلية والصفات التي ترفعه إلى درجة الإنسان العابد لله رب العالمين..

    ولقد ملك هذه الدنيا أنبياء وصالحون مصلحون فعم بهم الخير، واستنارت البشرية بحكمهم، وسعدت المعمورة، أمثال نبي الله سليمان عليه السلام والعبد الصالح ذي القرنين، ونبي الله يوسف عليه السلام فإنه كان مسؤولاً كبيراً في دولة ملك مصر وكان له فيها تصرف في الأموال، ومع كل هذا لم ينسوا الله ولقاءه، ولم تشغلهم الدنيا عن العمل للدار الآخرة، بل كانوا مع مُلكهم ونبوتهم من أفضل عباد الله تقربا إليه، وعبادة له وإحسانا إلى خلقه..

    ألا فلنفهم الإسلام هكذا، كما فهمه السلف الصالحون، وليكن لنا محطة قوية وشعلة نيرة ترينا الطريق الصحيح في هذه الحياة الدنيا حتى نلقى الله رب العالمين..

    اللهم ارزقنا بصيرة في الدين، وحكمة في القول والعمل، اللهم أصلح شأن المسلمين في كل مكان..

    وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

    تعليق

    • نور بلنسية
      Super Moderator
      • Dec 2008
      • 14989
      • female

      #3
      رد: حديث قبل الحرب

      صل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

      الله يعطيك العافية سيدي
      *ومن يتق الله يجعل له مخرجآ*



      قُلِ لي آين ينتهيْ البُعد .. حتى أنتظِرك هُناك...

      تعليق

      • الصوت الأخير
        عضو خيالي
        • Jun 2011
        • 1904
        • female

        #4
        رد: حديث قبل الحرب

        تعليق

        يعمل...