

((حقيبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ســــــــفر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــة ))
(1)
الصباح حكاية الأمنيات !
تتسلل الشمس في كل صباح من بين ستار
الغمام الثقيل بخفة ..
تمد خيوطها الذهبية إلينا، لتحتضننا وتمنحنا
قبلة صباح دافئة.
تداعب أجفاننا، وأمانينا المحفورة على بواطنها ..
توقظها فينا، وتصنع منها خيطا تحيك به أحلامنا ..
تمنحنا الثوب في نهاية اليوم وترتحل بهدوء، ثوبٌ لا يكون
مكتملا في كثير من الاحيان..
نحتضنه بحنان، ونخبّئه بين أضلاعنا .. ثم ننام.
لنصحو على قبلة الشمس الحانية، فنبتسم،
ونمنحها الثوب لتكمل حكاية الأمنيات.
الصباح حكاية الأمنيات!
حكاية الأمنيات التي لم تكتمل، والأحلام
المبتورة الأطراف ..
حكاية الطموحات المشوّهة بظلال الواقع القاسية
حكاية الآمال الذابلة في أرض تشققت من فرط الجفاف !
ولكنه رغم ذلك يبقى ..
حكاية الأمنيات!
الصباح مسكنٌ للآلام، ومضاد لليأس ..
وفي كل يوم نسكن بالصباح آلامنا، وننسى أن
نمحو به نظرة اليأس المحفورة في أعيننا !
الصباح حكاية الأمنيات!
نستيقظ في كل صباح محملين بالأحلام ..
نحشرها جميعا في حقيبة سفر باردة، ثم نودعها
" أمانة " لدى الصباح ..
ونظل نفعل هذا كل يوم؛
حتى إذا ما جف ينبوع أحلامنا، وصارت أرض
الأماني بورا جدباء،
تأملنا الصباح بشجن ونحن نرى فيه كل أمانينا
المكدسة، وأحلامنا المحشورة في الغمام!
ويظل الصباح ..حكاية الأمنيات!

(2)
هنالك أشخاص يمنحوننا حبهم بلا مقابل..
يملؤون به أيامنا بطرقهم الخاصة،
ويهدوننا في كل مرة قِطَعًا من أرواحهم تختبئ في وجبة
شهية، أو كوب قهوة، أو غرفة مرتبة.
إنها طريقتهم في إخبارنا أنهم يحبوننا!
يتنقلون كفراشات هنا وهناك ليخبئوا في كل شيء
يخصنا قليلا من حبهم، ومثله من حنان لا ينضب!
ولذلك فإنهم عندما يفارقوننا جسدا، فإننا لا ننساهم.
فهم قد وزعوا أجزاء أرواحهم في كل مكان حولنا،
وملؤونا بحبهم المغروس في كل شيء،
فعندما يرحلون جسدا يذكروننا أنهم حولنا في كل مكان،
حتى نضج بالأمكنة شوقا ونبتعد إلى حيث لا تلاحقنا
أرواحهم.

(3)
الليل هو الشيء الوحيد الذي يعرفنا تماماً ..
هو الذي يطلع على أقسى انكساراتنا
وأشدها ألما
الليل هو الصدر الذي نبكي عليه أوجاعنا ..
وننثر عليه شهقاتنا
ونحرر فيه غصاتنا المتجمعة في حلوقنا
بعيدا عن ضجيج النهار الذي يكبّلها ..
الليل هو الشيء الوحيد الذي يشهد أضعف حالاتنا ..
يشهد همومنا حين تفتك بنا
وتنهيداتنا الحارقة وهي تذيب برودته الموحشة.
الليل مفترق الطرق ..
الليل مرآتنا الصافية بعد ضباب النهار
المكان الذي نخلع فيه كل الأقنعة ومساحيق
تجميل ما نشعر به أمام الآخرين
ونسترخي على أسرتنا تماماً كما نحن
بلا منكهات
ولا إضافات
لتخرج أحزاننا صافية نقية بعيدة عن محاولات
ابتلاعها أمام الجميع
أو لتخرج بهجتنا الحقيقية التي بترنا أجزاء منها
لكي لا نصنف ضمن المجانين!
الليل هو نحن ..
كما يجب أن نكون.

(4)
هدايا الله أجمل مما نتصور.
تأتينا في الوقت المناسب تماماً،
وبالطريقة الأروع دوما.
هدايا الله تطمئننا أن كل شيء سيكون بخير..
أنه رغم الألم والتعب، رغم القهر واليأس ..
سيلوح الفرح لنا يوما.
هدايا الله هدايا فرح ..
تغسل قلوبنا من كل تلك الآلام المتراكمة ..
وتمسح نظاراتنا لتزيل كل تلك البقع، وتصلح الخدوش!
هدايا الله تجعلنا نرى كل شيء واضحا،
بقلوب نقية ونظارات نظيفة!

(5)
أريد أن أتحدث عن السعادة!
عن الفرح، والرضا، والاطمئنان..
عن كل تلك المشاعر المبهجة حين تحتل القلب.
عن تلك الفترة التي أجد فيها نفسي مسالمة جدا معي..
لا توبخني ولا أوبخها،
لا نخوض حروبنا اليومية بعد كل موقف وكلمة وفعل.
عندما أشعر أن قلبي يبتسم دون سبب حقيقي لذلك!
أنني راضية الآن عن كل شيء أفكر به.
عندما لا أفكر في تلك المنغصات والهموم اليومية التي
تلتهم لحظات الصفاء تلك وتحيلها إلى معارك لا تنتهي!
عندما أشعر أنني مختلفة الآن..
عندما يجعلني شيء بسيط جدا سعيدة جدا..
وراضية جدا..ومطْمَئنة جدا.
عندما أشعر بالأمل يخترق قلبي بغير استئذان،
ويبدأ عملية ترميم وصيانة سريعة فعّالة..
عندما أشعر بأن روحي تتنفس، وقلبي يحلّق،
دون أي مسبب!
إنها اللحظات التي تستحق أن تخلّد..
لنعود إليها عندما تتراكم شباك عناكب اليأس، وأتربة الهمّ
في زوايا قلوبنا المتعبة، بعد انشغالنا عنها بكل
شيء وأي شيء.
نعود إليها فتزيل الأتربة وشباك العناكب..
وتسمح لشعاع الأمل بالدخول.

(6)
كثيرا ما نشعر بأن كلماتنا أوطان صغيرة ..
نلجأ إليها عندما تمتلئ قلوبنا وعقولنا بتفاصيل الروتين،
وفوضى الحياة المتشابكة الدروب.
عندما نشعر أننا نتحول تدريجيا إلى آلة تدور وتدور بلا
توقف في حلقة مفرغة.
عندها نلجأ لحروفنا، ونتأملها طويلا..
وكأننا بذلك نكسر تلك الحلقة المفرغة ونختار
مسارا آخر..وكأننا نبدأ من جديد!

(7)
تبدو بعض الألحان وكأنها توجّه قلوبنا وتملي عليها
ما يجب أن تشعر به عند سماعها.
حتى أنك تكاد تقسم وأنت تسمع إحداها أن الحنين
يتدفق إلى قلبك ويغزوه دون سابق إنذار!

(8)
ها أنا إذن..
أقف على أعتاب عامي الخامس عشر، وأشعر
أنني لم أعد أعرفني/أفهمني منذ زمن طويل.
أحلامي وأمانيّ المؤجلة تبدو غير مستعدة لمواجهة عامي
الجديد، وتستلقي بخمول تحت أغطية كل ما مررت به
في هذه السنة العجيبة.
لا شيء يستثيرها للنهوض، فتبقى ملتحفة
بالأغطية الثقيلة وحسب.
لا أشعر أنني كبرت أيها العالم..
ولا أشعر بأي شيء في ليلة مولدي..
وأشعر بأنني نسيت كيف يفرح الناس حقاً
بلحظات كهذه.
لم أعد أعرفني يا سنين عمري الخمسة عشر..
لم أعد أعرفني.

(9)
تلك الأحلام الغريبة التي تتسلل لنا أثناء نومنا،
تغسل عقولنا وتنظفها من كل الأتربة والترسبات
المتراكمة منذ أيام..
حتى إننا نستيقظ بعد أحدها، وشعور بالراحة يغمرنا!
شعور بأن عقولنا التي كانت تئن تحت وطأة الضغوط
اليومية أصبحت خفيفة جدًا..
وأننا مستعدون لتلقي المزيد مجددا.

(10)
التوازن لطيف..
التوازن يعيد ضبط ألوان حياتنا،
يسحب منها الزيادات، ويضيف إليها ما ينقصها..
لتبدو جميلة باعتدال، دون تكلّف أو اصطناع.
التوازن كخيار الضبط التلقائي لمستويات الألوان في برامج تعديل الصور..
فبمجرد أن نفعّله، تبدو الصورة غريبة..
ألوانها مختلفة بعض الشيء، أكثر قتامة وحدة في بعض
الزوايا، وأكثر نعومة وهدوءًا في مناطق أخرى ربما..
لكنها ختاما تبدو مختلفة، عميقة، وثريّة..
متشبّعة بالحياة في كل تفصيلاتها.
تزعجنا هيئتها قليلا في بادئ الأمر..
ثم ما نلبث أن نقتنع بها بعد مقارنتها بسابقتها.
نقتنع أن هذه هي أفضل حالة للصورة لتبقى واقعية حية..
بعيدا عن المحسّنات والمنعِّمات، بعيدا عن منقّيات
الشوائب وتأثيرات الحِدّة والتباين الزائدة.
صورة نقيّة خالصة ، حقيقة..
تمامًا كما يجب أن تكون.

لآمًس ذآئقتي
ـآحترآمي للجميع











تعليق