فات القطار ـ قصة ـ

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالسلام مودني
    جديد
    • Apr 2006
    • 11

    #1

    فات القطار ـ قصة ـ

    فات القطار


    قصة

    لعبدالسلام المودني





    المحطة التي هي وطن للغرباء تستعير بهم و بضجيجهم. الكل غريب داخلها ينشد في غربته و من ورائها دفئا يخلصه من نظرات زائغة و عيون مرجرجة تعيده إلى إحساس الوحدة وسط الجموع المزدحمة. الأبدان تعلق بموعد و الأرواح تتشبث بروح قادم أو تهفو إلى وجهة أخرى لتلاقي روحا أخرى و تحضن حياة أخرى.
    يرمق تذكرة سفره للمرة الأولى أو العاشرة. نصف ساعة أخرى تفصله عن موعد قطاره الذي يتأخر دوما. يستنجد بقاعة الإنتظار من برودة الأرصفة المقابلة حيث يتقيأ القطار محموليه من القاصدين لهذه المدينة التي يمقت و التي سيرحل عنها أخيرا.
    لطالما حاول أن يتركها بلا جدوى. و في كل مرة يلصقه بها عذر طارئ وأمل في التغيير كامن. لكنه اليوم عازم على طلاقها طلاقا بائناً لا عودة بعده ولا رجوع. سيهجُرها كما هجرته دون أسى أو أسف أو نظرة إلى الخلف. يتسلى بمنظره و بمنظر المنتظرين معه. وجوه كثيرة مزدحمة تحملها أبدان متعبة و تحركها أرواح مرهقة، خبت جذوة أملها و لم يعد لها إلا الإنتظار رغم عقمه المعلن. فتاة لا يذكر أين رآها تتطلع إليه كأنها تعرفه أو أن وجهه يشبه وجوها كثيرة تعرفها. أو أنها تحاول تزجية وقت انتظارها. لا تحمل إلا حقيبة يد صغيرة. كأنها تنتظر أحدا أو حدثا. لا تبدو مستعدة للسفر. الغالب أنها منتظرة. والكل ينتظر. الكل غريب.
    طفل يتسلى بالسلم الكهربائي صعودا و نزولا بمرح طفولي برئ. تقترب امرأة قصيرة القامة عجوز الجسد. بجلبابها الزعفراني و منديل رأسها الأسود و نظارتيها السميكتين. تستند إلى عكاز. و تعتكز أيضا فتاة ذاهلة النظرات بدوية الرداء و الخطوات تمشي إلى جانبها بنفس سرعتها البطيئة التي توشك أن توقعها متعثرة بها. الفتاة تختلس نظرات حيث الطفل الصغير و السلم الكهربائي كأنها تغبطه على مرحه و تريد أن تفعل مثل فعله بيدأنها خاضعة للسيدة البطيئة التي لا تؤمن إلا بالواثق من الدرجات الرخامية التي ستنزلها سالمة دون إضحاك الناس عليها إن هي تعثرت في هذا الشيء العجيب الغريب . الفتاة لازالت تسندها لكن كل حواسها كانت حيث السلم المتحرك. و الناس يسبقونها دون عناء. تجمع قبضتها بحزم و تركض صاعدة الدرج الرخامي حتى إذا بلغت القمة. لم تتردد في وضع رجلها اليمنى في بداية الطريق و هي تنظر أمامها مباشرة بعينين واثقتين غاب عنهما الذهول و الربكة. و تتجاوز العجوز التي يبدو أنها لم تلحظ أنها أضحت وحيدة. بالكاد تمشي كل همها أن تنزل إلى قطارها الذي سينتظرها حتما كما انتظرته كل تلك السنين.
    تصل الفتاة مسرعة وحيدة كأنها نسيت أمر العجوز. و تصعد القطار دون أن تلتفت خلفها. و لو فعلت لرأت العجوز تتقدم درجة و تتخلف اثنتين كأنها تتقهقر في مشيتها. يمضي القطار و الفتاة بداخله. يصل إلى الآذان إعلان مذيعة المحطة:"القطار القادم من الخلف و المتوجه إلى الأمام سبق موعده بربع ساعة".
    يلتفت إلى ساعة المحطة يكتشف أنها معطلة. يعاود النظر إلى العجوز فيجدها عالقة بين أمري النزول والصعود. و بقايا هدير القطار الذي صعدته الفتاةيستوطن صماخيه. يقول متحسرا:
    -فاتني هذه المرة أيضا.

    سلا في 27 فبراير2005

    عبدالسلام المودني
    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالسلام مودني; الساعة 05-Apr-2006, 03:53 PM.
  • فدرالي القصيم
    ذهبي
    • Mar 2006
    • 663
    • male

    #2
    رد: فات القطار ـ قصة ـ

    اخي عبد السلام


    انتثرت حروفك كاالؤلؤ الذي ازدانت به صفحات هذا المنتدى

    ليسجل فخراً جديداً له


    بما خطه قلمك وكتبته اناملك


    ها انا اسجل اعجابي بك اخي عبد السلام

    ولي الشرف ان اكون من اول الذين يردون على هذا القلم المتألق


    دمت في ود اخي العزيز


    والله لا يحرمنا من جديدك


    وكل ما تخطه اناملك


    تقبل تحياتي

    تعليق

    • aBo FaiSaL
      المشــــرف العــــــام
      Admin

      • Feb 2004
      • 15171
      • male

      #3
      رد: فات القطار ـ قصة ـ

      ابداع متميز ومنقطع النظر
      دمت لنا قلما مميزا


      /
      /
      //

      اللهم صلي وسلم على نبينا محمد

      ----------------------------------------------------------------
      اذا قابلت الاساءة بالاساءه فمتى تنتهي الاساءه؟.. - غاندي
      ------------------------------------------ aBo FaiSaL -----

      حتى لآتكون ملتصقاً [ بـ آلغباء ]
      آعتنق آلصمت أمَام « آلسفهاء »
      فلآ دَآعي لتلوُث قُدسيـة ذاتِگ
      بوحل الانحطاط ..,’

      تعليق

      • عبدالسلام مودني
        جديد
        • Apr 2006
        • 11

        #4
        رد: فات القطار ـ قصة ـ

        المشاركة الأصلية بواسطة فدرالي القصيم
        اخي عبد السلام


        انتثرت حروفك كاالؤلؤ الذي ازدانت به صفحات هذا المنتدى

        ليسجل فخراً جديداً له


        بما خطه قلمك وكتبته اناملك


        ها انا اسجل اعجابي بك اخي عبد السلام

        ولي الشرف ان اكون من اول الذين يردون على هذا القلم المتألق


        دمت في ود اخي العزيز


        والله لا يحرمنا من جديدك


        وكل ما تخطه اناملك


        تقبل تحياتي
        سيدي الفاضل
        شكرا لجميل مرورك و عطر كلماتك
        أنا من يفخر بقراء مثلك
        مودتي
        عبدالسلام المودني

        تعليق

        • جداويه
          من مؤسسات بلنسية
          • Jan 2004
          • 7093
          • female

          #5
          رد: فات القطار ـ قصة ـ

          يعطيك ربي الف عـافيه..

          تعليق

          يعمل...