ساعة الرمل المعكوسة

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • aBo FaiSaL
    المشــــرف العــــــام
    Admin

    • Feb 2004
    • 15183
    • male

    #1

    ساعة الرمل المعكوسة

    في أطراف المدينة المنسية، حيث تتلاشى الطرقات قبل أن تصل إلى المنازل، كان هناك قصرٌ قديم يرفض الزمن أن يمحو أثره. لم يكن القصر مسكوناً بالأشباح كما تروي الأساطير الشعبية، بل كان مسكوناً بشيء أكثر تعقيداً: "اللحظات المفقودة".

    في قبو القصر، الذي لم تطأه قدم منذ عقود، كانت توجد قاعة دائرية تتوسطها ساعة رملية شاهقة، مصنوعة من زجاج لم يعكره الغبار. لم يكن الرمل بداخلها يسقط للأسفل كما هو معتاد في قوانين الطبيعة، بل كان يتصاعد بانتظام مريب من القاعدة إلى القمة، حبةً تلو الأخرى، وكأنه يعيد بناء الماضي من فتاتِ الحاضر.

    كان صاحب القصر، عالِمٌ سري لم يُعرف اسمه قط، يؤمن أن الزمن ليس خطاً مستقيماً يتجه نحو الفناء، بل هو مجموعة من الحلقات المتداخلة. كان يقضي لياليه في مراقبة حركة الرمل، مقتنعاً بأن كل حبة رمل تصل إلى القمة تمثل ثانيةً استُردت من زمنٍ ضاع. وفي ليلةٍ صامتة، قرر أن يضع نظريته على المحك؛ فقد قام ببناء مرآة عملاقة من مادة غير معروفة، وضعها خلف الساعة الرملية، ليس لتعكس وجهه، بل لتعكس "الاحتمالات".

    حين نظر العالِم في المرآة، لم يرَ صورته، بل رأى غابةً من الأشجار الفضية تحت سماءٍ بأقمارٍ أرجوانية؛ كان ذلك العالم الذي كان سيصل إليه لو أنه اتخذ قرارات مختلفة في حياته. وفي أعماق تلك المرآة، رأى نفسه جالساً على كرسيه، يكتب رسالةً يوجهها للزائر الذي سيأتي بعد عقود، يصف فيها كيف أصبح هو نفسه جزءاً من الانعكاس.

    مرت السنون، وتناسى الناس القصر، حتى دخل يوماً أحد الباحثين عن الحقيقة. حين وقف أمام الساعة الرملية، التقت عيناه بعينيّ العالِم المنعكسة في المرآة. لم تكن نظرة ذعر، بل كانت نظرة انتظار. أدرك الزائر في تلك اللحظة أن القبو ليس مكاناً في منزله، بل هو ثقبٌ في نسيج الواقع.

    وفجأة، توقف الرمل عن الصعود. ساد صمتٌ مطبق في القبو، وكأن الكون قد حبس أنفاسه. بدأت الجدران تتلاشى، وتحول القبو إلى فضاء واسع لا حدود له. وفي تلك اللحظة الحرجة، مدّ العالِم يده من داخل المرآة ليلمس يد الزائر، في تلاحمٍ بين زمنين لم يلتقيا قط.

    وبمجرد حدوث التلامس، تبدلت الأدوار؛ وجد الزائر نفسه جالساً على الكرسي داخل المرآة، ممسكاً بالقلم، بينما خُيل إليه أنه يرى شخصاً جديداً يدخل القبو من بعيد. أدرك حينها أن الدائرة قد أُغلقت، وأن "ساعة الرمل" قد وجدت من يحمي تدفقها، ليبقى هو الحارس الجديد للزمن المفقود، في انتظار أن يأتي من يحرره بدوره، في دورةٍ لن تنتهي أبداً.

    وعاد كل شيء إلى طبيعته في القصر؛ القبو بارد، الساعة الرملية صامتة، والرسالة لا تزال موضوعة على المكتب، تنتظر قارئاً جديداً يجرؤ على كسر حاجز الانعكاس.
    blncyah since 2004

    // //
    اللهم صلي وسلم على نبينا محمد
    ----------------------------------------------------------------
    اذا قابلت الاساءة بالاساءه فمتى تنتهي الاساءه؟.. - غاندي
    ------------------------------------------ aBo FaiSaL -----
    حتى لآتكون ملتصقاً [ بـ آلغباء ]
    آعتنق آلصمت أمَام « آلسفهاء »
    فلآ دَآعي لتلوُث قُدسيـة ذاتِگ
    بوحل الانحطاط ..,’
يعمل...