نظر إليها فوجد النوم قد تسرب إلى عينيها فأستلقى على ظهره وهم بالنوم إلا أنه وجد طيفا ً يتراءى أمام ناظريه فتهللت أساريره وأحس بقشعريرة تسرى فى بدنه ومع أنه أعتاد أن يأتيه طيفها كل يوم كلما وضع رأسه على وسادته إلا أنه كان يشعر بتلك القشعريرة تسرى بداخله كلما تراءت صورتها أمام عينيه ، وفجأة بدأ يشعر بصدره ينقبض وبدقات قلبه تتسارع وشرد ذهنه بعيدا ً إلى حيث يجلس هؤلاء الذين أتوا من كل مكان ليهنئوا العروسين ، وكان هو أحدهم وبدت أمامه العروس فى ثوبها الناصع البياض جميلة زاهيه مشرقة الوجه تتلألأ ابتسامة ساحرة على شفتيها وبينما مد إليها يده ليصافحها وهو يحاول جاهدا ً أن يبعد عينيه عن عينيها قال من خلال ابتسامة مصطنعة :
- ألف مبروك ، وردت عليه وهى تسحب يدها من يده :
- الله يبارك فيك .
وتعلقت عيناه بعينيها للحظة فرأى فيهما نظرة لم يعى ما ورائها لكنه أعتبرها نظرة رثاء وأحس كأنها تقول له :
- لا تقلق ستجد من هى أفضل منى ، ولم يجب نظرتها بل أعطاها ظهره وراح يبحث عن مكان بعيد يئول فيه إلى نفسه ليسترجع بعضا ً من تلك الذكريات الأليمة التى غشت رأسه فى تلك اللحظة .
وبدا وكأنه يحدث نفسه :
- لم أتوقع يا " أمنية " أن مشهد النهاية سيكون هكذا ولم أتخيل يوما ً منذ أن لعبت معك وانتي طفلة صغيرة
وحتى الان أنك ستكونين لغيرى ، لكن قلبك القاسى صفعنى صفعة لن أنساها متى حييت .
حقا لقد منحها قلبه حبا ً لم يمنحه لأحد سواها ، حبا ً أعمى قلبه وعينيه عن كل شىء حوله ، فكانت تمثل له كينونته وكيانه وحلمه الذى عاش يحلم بتتويجه .
وقد بدأ يتعلق بها منذ كانت طفلة صغيرة ، وأحس انه يجد فيها شيئا يجذبه ، شيئا لم يكن يدرى كنهه لكنه بدأ مع الايام يعترف لنفسه أنه أحبها بل عشقها وعشق ثرى قدميها ، فلا تلبث عيناه عليها أن تقع عليها إلا وتتعلقان بها وكانت نظرة واحدة منها كفيلة بأن تمنحه الحياة وأن تريه من ألوان الحياة ما لم ير فى حياته .
وبدأت تنمو أمامه ونما حبه لها وبات لا يستطيع أن يقضى يوما ً دون أن يراها ويشبع عينيه بها وبين الحين والاخر كان يلتقط منها همسة أو نظرة فيحلق بجناحيه فى سماوات الحب شاديا ً بما حلا له من أناشيد الحب والغرام وذات مرة وبينما كانت عيناه معلقتان بها فوجىء بصوتها العذب يأتيه قائلا ً:
- لماذا تنظر إلي هكذا وأحس ببركان يثور بداخله وهو يقول : - - ألم تدر بعد لماذا اعلق عينى بك ، وأحس بنشوة غريبة تسرى بين ضلوعه وأحس بنبضات قلبه تسابق الزمن إلا أن صوتها العذب أتاه مرة اخرى قائلا ً : كل ما أعرفه انك ابن عمى وأريدك أن تحافظ على تلك الصلة جيدا ً .
توقفت نبضات قلبه وتصلبت يداه وقدماه وأحس بمرارة لم يشعر بمثلها من قبل ولم يدر الا بجسده يجره بعيدا ًعنها ..
فها هى قد قطعت الفرصة عليه تماما ً وأعلنت له أنه لن يكون ابدا فتى أحلامها وقرر أن ينسحب من حياتها إلى الأبد حتى جاء اليوم وقضت على ما تبقى لديه من بصيص الأمل وأعلنت زفافها بمن أختاره قلبها وها هو القدر قد جاء به إلى هنا ليهنئها بزفافها لا ليجلس بجانبها كما تمنى .
وأحس بانقباض فى صدره وبدأت الدموع تترقرق من مقلتيه فأسرع مبتعدا ً عن المكان دون أن يشعر به أحد وألقى على العروس وزوجها نظرة أخيرة ورمق أصابعهما المتشابكتين وابتسم ساخرا ً ثم أبتعد شبحه عن المكان لكن الموقف لم يبتعد عن ذهنه حتى الآن .
فوجىء محمود بيد تضغط عليه وبصوت زوجته تقول :
- ما بك يا محمود لماذا لم تنم حتى الآن ؟ ، وأفاق محمود على صوتها ونظر إليها وهو يقول :
- لا تقلقى ، ليس بى شيء يا أمنيه .
ويبدو أن الزوجة التى جرفها تيار النوم لم تلحظ الاسم الذى نطق به زوجها فأدارت وجهها وغرقت فى النوم بينما عاد محمود إلى حلمه الجميل وإلى أمنيته الغالية ورغم أنه تزوج وانجب الا أن " أمنية " ستظل هى أجمل أمنية تمناها فى حياته






تعليق