أوربا تتحول للدفاع
فهد عامر الأحمدي
رغم صغر القارة الأوربية إلا أنها عملت طوال تاريخها كقارة مصدرة للبشر.. فالحروب الصليبية، والحملات الاستعمارية، والرحلات الاستكشافية ترافقت جميعها مع خروج أفواج بشرية استوطنت الدول الأخرى.. فالشرق الأوسط مثلا عانى من حروب صليبية أتاحت للطبقات الفقيرة امتلاك الأراضي الخصبة في فلسطين والشام (التي وصفها الفاتيكان بالأرض التي تفيض باللبن والعسل رغم أن الواقع البيئي يثبت أنها أقل خصوبة من أوربا نفسها) !!
ونفس السيناريو تكرر في العصور الحديثة - أيام الحقبة الاستعمارية - حين ترافق احتلال الدول الأخرى مع نزوح مهاجرين أوربيين استولوا على أفضل المزارع والمناجم.. ورغم أن الجيوش الأوربية انسحبت حاليا إلى حدودها الوطنية إلا أن آثارها العرقية ماتزال واضحة حتى اليوم في المستعمرات السابقة.. ففي الهند وسري لانكا وأندونيسيا والدول الأفريقية ماتزال الملامح الأوربية واضحة على قسم كبير من مواطني تلك الدول - في حين مايزال البيض يملكون أفضل المزارع والمناجم في الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى !!!
... غير أن ما حدث في أفريقيا وآسيا لا يقارن (لا من حيث ضخامة الهجرة ولا ديمومة الاستيطان ) بما حصل في القارتين الأمريكيتين.. فبعد رحلة كولومبس الشهيرة عام 1492تنبهت الأمم الأوربية إلى وجود أراض خصبة وشاسعة تنتظر الاستيطان في الغرب.. وبسرعة قامت بدور المفرخة البشرية التي تكفلت بملء الأراضي الجديدة بالسكان والمهاجرين الجدد.. واليوم نلاحظ أن مجموع سكان أوربا لا يتجاوز 300مليون نسمة في حين يزيد عدد شعوب القارتين الأمريكيتين على المليار نسمة (وحين نتحدث عن بريطانيا بالذات نلاحظ أن عدد سكانها لا يزيد على 60مليون نسمة في حين يزيد عدد أحفادها في أمريكا وكندا واستراليا ونيوزلندا على 300مليون نسمة !!)
... على أي حال تغير الوضع هذه الأيام وبدأت أوربا (لأول مرة في تاريخها) تنكمش جغرافيا وبشريا أمام طوفان المهاجرين السمر؛ فرغم أنها استفادت اقتصاديا من استعمار الدول الأخرى ولكن مجرد وجودها "هناك" كان بمثابة دعوة للأهالي الأصليين للهجرة إليها بطريقة عكسية.. فوجود الانجليز في الهند مثلا جعل من النموذج الانجليزي - في التعليم وطرق العيش - أنموذجا حث ملايين الهنود على الهجرة لإنجلترا نفسها . واليوم تعاني المدن الانجليزية من ضخامة الجاليات الهندية والباكستانية والبنغلاديشية - وكافة الدول التي استعمرتها سابقاً - .. ومايزيد من حدة المشكلة أن معظم المهاجرين الجدد يستقرون في المدن الرئيسية المعروفة كلندن وليفربول وبرمنغهام - وهو ما جعل دائرة الإحصائيات الانجليزية تتوقع تفوقهم على مواطني تلك المدن بحلول عام . 2020.وهذه المشكلة تنطبق على جميع الدول ذات الماضي الاستعماري العريق كفرنسا (التي تعاني من طوفان المهاجرين الأفارقة والمغاربة) وهولندا (التي يعيش فيها عدد كبير من الإندونيسيين والتيموريين) وأسبانيا والبرتغال (اللتين تستقبلان سنويا أعداداً كبيرة من أحفاد المهاجرين الى أمريكا اللاتينية) !
واليوم توقفت أوربا عن القيام بدور المصدر البشري وسلمت زمام المبادرة لدول متفجرة بشريا كالهند وبنغلاديش ونيجيريا وشمال أفريقيا.. وبعد أن كانت في موقف "الهجوم" تحولت اليوم لموقف "الدفاع" أمام هجرات بشرية معاكسة تحاول اقتحام السور الخارجي للاتحاد الأوربي (الذي للمفارقة؛ أصبحت حدوده مفتوحة من الداخل) !!
.. كلي قناعة بأنه لو أتيح لأحدنا السفر للمستقبل لشاهد "قارة أوربية" تختلف عما نراه اليوم ..قارة يطغى عليها اللون الأسمر، وتزيد فيها الجوامع على الكنائس، ويرأس لندن طبيب هندي، ويحكم فرنسا مهاجر سنغالي !!
فهد عامر الأحمدي
رغم صغر القارة الأوربية إلا أنها عملت طوال تاريخها كقارة مصدرة للبشر.. فالحروب الصليبية، والحملات الاستعمارية، والرحلات الاستكشافية ترافقت جميعها مع خروج أفواج بشرية استوطنت الدول الأخرى.. فالشرق الأوسط مثلا عانى من حروب صليبية أتاحت للطبقات الفقيرة امتلاك الأراضي الخصبة في فلسطين والشام (التي وصفها الفاتيكان بالأرض التي تفيض باللبن والعسل رغم أن الواقع البيئي يثبت أنها أقل خصوبة من أوربا نفسها) !!
ونفس السيناريو تكرر في العصور الحديثة - أيام الحقبة الاستعمارية - حين ترافق احتلال الدول الأخرى مع نزوح مهاجرين أوربيين استولوا على أفضل المزارع والمناجم.. ورغم أن الجيوش الأوربية انسحبت حاليا إلى حدودها الوطنية إلا أن آثارها العرقية ماتزال واضحة حتى اليوم في المستعمرات السابقة.. ففي الهند وسري لانكا وأندونيسيا والدول الأفريقية ماتزال الملامح الأوربية واضحة على قسم كبير من مواطني تلك الدول - في حين مايزال البيض يملكون أفضل المزارع والمناجم في الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى !!!
... غير أن ما حدث في أفريقيا وآسيا لا يقارن (لا من حيث ضخامة الهجرة ولا ديمومة الاستيطان ) بما حصل في القارتين الأمريكيتين.. فبعد رحلة كولومبس الشهيرة عام 1492تنبهت الأمم الأوربية إلى وجود أراض خصبة وشاسعة تنتظر الاستيطان في الغرب.. وبسرعة قامت بدور المفرخة البشرية التي تكفلت بملء الأراضي الجديدة بالسكان والمهاجرين الجدد.. واليوم نلاحظ أن مجموع سكان أوربا لا يتجاوز 300مليون نسمة في حين يزيد عدد شعوب القارتين الأمريكيتين على المليار نسمة (وحين نتحدث عن بريطانيا بالذات نلاحظ أن عدد سكانها لا يزيد على 60مليون نسمة في حين يزيد عدد أحفادها في أمريكا وكندا واستراليا ونيوزلندا على 300مليون نسمة !!)
... على أي حال تغير الوضع هذه الأيام وبدأت أوربا (لأول مرة في تاريخها) تنكمش جغرافيا وبشريا أمام طوفان المهاجرين السمر؛ فرغم أنها استفادت اقتصاديا من استعمار الدول الأخرى ولكن مجرد وجودها "هناك" كان بمثابة دعوة للأهالي الأصليين للهجرة إليها بطريقة عكسية.. فوجود الانجليز في الهند مثلا جعل من النموذج الانجليزي - في التعليم وطرق العيش - أنموذجا حث ملايين الهنود على الهجرة لإنجلترا نفسها . واليوم تعاني المدن الانجليزية من ضخامة الجاليات الهندية والباكستانية والبنغلاديشية - وكافة الدول التي استعمرتها سابقاً - .. ومايزيد من حدة المشكلة أن معظم المهاجرين الجدد يستقرون في المدن الرئيسية المعروفة كلندن وليفربول وبرمنغهام - وهو ما جعل دائرة الإحصائيات الانجليزية تتوقع تفوقهم على مواطني تلك المدن بحلول عام . 2020.وهذه المشكلة تنطبق على جميع الدول ذات الماضي الاستعماري العريق كفرنسا (التي تعاني من طوفان المهاجرين الأفارقة والمغاربة) وهولندا (التي يعيش فيها عدد كبير من الإندونيسيين والتيموريين) وأسبانيا والبرتغال (اللتين تستقبلان سنويا أعداداً كبيرة من أحفاد المهاجرين الى أمريكا اللاتينية) !
واليوم توقفت أوربا عن القيام بدور المصدر البشري وسلمت زمام المبادرة لدول متفجرة بشريا كالهند وبنغلاديش ونيجيريا وشمال أفريقيا.. وبعد أن كانت في موقف "الهجوم" تحولت اليوم لموقف "الدفاع" أمام هجرات بشرية معاكسة تحاول اقتحام السور الخارجي للاتحاد الأوربي (الذي للمفارقة؛ أصبحت حدوده مفتوحة من الداخل) !!
.. كلي قناعة بأنه لو أتيح لأحدنا السفر للمستقبل لشاهد "قارة أوربية" تختلف عما نراه اليوم ..قارة يطغى عليها اللون الأسمر، وتزيد فيها الجوامع على الكنائس، ويرأس لندن طبيب هندي، ويحكم فرنسا مهاجر سنغالي !!






تعليق